مقالات وآراء

القواعد الأجنبية… حماية أم استنزاف ؟

بقلم د- كامل عبد القوي النحاس

هل يمكن للغريب أن يحرس الدار بصدق؟

 

أم أن الحارس أول المستفيدين من بقاء الأبواب مشرعة للقلق؟

 

لقد تبيّن أن أكبر كذبة تم تسويقها في شرقنا هي أسطورة الأمن المستورد.

 

فالقواعد العسكرية الأجنبية التي انتشرت في جغرافية الشرق الأوسط تحت ذريعة الحماية لم تكن في حقيقتها سوى منصات استنزاف سيادي،

لا تكتفي باستنزاف الثروات، بل تقيد الإرادة الوطنية، وتجعل من القرار السيادي رهينة في يد الممول والمصنّع الغربي، محوِّلة أوطانا إلى ساحات اشتباك تخدم أجندات لا تمت لمصالحها بصلة.

 

اولا : الخلفية التاريخية: صناعة الخوف لشرعنة الوجود

 

لم يكن انتهاء حرب الثمان سنوات بين العراق وإيران مجرد توقف لإطلاق النار، بل كان بداية لمرحلة جديدة من إعادة تشكيل الخريطة النفسية والسياسية في الخليج. خرجت دول المنطقة من حرب استنزفت الطرفين، لكنها خلّفت في الوعي الخليجي شعورًا عميقًا بالهشاشة، وخوفًا من تكرار سيناريو التمدد العسكري أو الانفجار الإقليمي.

 

وهنا تحديدًا، تم توظيف هذا الخوف، لا لمعالجته عبر بناء قوة ذاتية مستقلة، او قوة عربية مشتركة،

بل لإعادة تدويره في صورة حاجة دائمة إلى الحماية الخارجية.

 

فتم تضخيم التهديدات الإقليمية، وتكريس خطاب الخطر الداهم، ليكون المبرر لإقامة ما يشبه جزرًا سيادية معزولة على أراضٍ عربية، لا تخضع بالكامل للإرادة الوطنية، ولا تنطلق في أولوياتها من الأمن الحقيقي للدول المضيفة.

 

والمفارقة اللافتة أن هذه القواعد لم يكن استخدامها في الغالب موجهًا نحو استرداد حق مغتصب، ولا نحو حماية مقدسات منتهكة،

بل ظل مرتبطًا بتأمين مصالح القوى الكبرى، وعلى رأسها ضمان تدفق الطاقة، والحفاظ على توازنات تخدم أمن الكيان الصهيوني، مع إبقاء دول المنطقة في حالة احتياج دائم إلى هذه الحماية.

 

ثانيا : التحليل السياسي: التبعية التقنية ومصادرة القرار

 

قد يقال إن دول الخليج لم تلجأ إلى القواعد الأجنبية ترفًا، بل اضطرارًا، في ظل بيئة إقليمية مضطربة، وجوار جغرافي متوتر، وتفاوت واضح في القدرات العسكرية.

وهذا التبرير يبدو منطقيًا في ظاهره، لكنه يخفي حقيقة أعمق؛

وهي أن الحماية التي تبنى على الارتهان لا تنتج أمنًا، بل تؤجل الخطر وتعيد تشكيله في صورة أكثر تعقيدا.

فبدلًا من بناء استقلال استراتيجي تدريجي، تم تكريس نموذج الأمن بالوكالة، حيث تدار المخاطر ولا تزال، وتضبط التوازنات بما يخدم الفاعل الخارجي قبل غيره. وفي هذا السياق، تتحول فاتورة الحماية من مجرد كلفة مالية إلى ما يمكن وصفه بضريبة كرامة تدفع من استقلال القرار الوطني،

 

وتتجلى آثارها في عدة مستويات:

 

• مصادرة الإرادة العسكرية:

 

حيث يرتبط تشغيل كثير من المنظومات المتقدمة، بشكل مباشر أو غير مباشر، بترتيبات خارجية، فيتحول السلاح، رغم كلفته الهائلة، إلى قوة مشروطة الاستخدام، تخضع لـ فيتو تقني خفي يملك المورد مفاتيح إغلاقه بلمسة واحدة إذا تعارض استخدامها مع مصالحه.

 

• توطين التبعية:

 

إذ تعاد هيكلة بعض الجيوش لتؤدي أدوارًا وظيفية داخل منظومة أمنية أوسع، لا تكون فيها الأولوية دائمًا لحماية القرار الوطني، بل للاندماج في استراتيجيات أكبر تقودها قوى خارجية، فيما يعرف

بـالأمن الجيبي، الذي يحمي مصالح الغريب أكثر مما يحمي حدود الوطن.

 

•الاستنزاف الاقتصادي المبرمج:

 

حيث تضخ مئات المليارات في صفقات سلاح تعود أرباحها إلى المصانع الغربية، بينما لا ينعكس ذلك بالضرورة على استقلال القرار أو قدرة الردع الحقيقي، بل يحبس الميزانيات الوطنية في دوامة من عقود الصيانة والإدامة التي لا تنتهي.

 

ثالثا : الأدلة والوقائع: السيادة بين الوهم والواقع

 

لم يعد الحديث عن الحماية مجرد طرح نظري، بل تكشفه الوقائع الميدانية بوضوح.

ففي قلب الخليج، حيث تتمركز قواعد عسكرية متقدمة، وأنظمة دفاع جوي بمليارات الدولارات، شهدت المنطقة حوادث أظهرت حدود هذه الحماية، بل وتناقضها الصارخ.

 

• فقد تم استهداف قيادات من المقاومة الفلسطينية على أراضٍ يُفترض أنها تحت مظلة أمنية مشددة، في واقعة تابعتها المنطقة بأسرها دون أن تختبر فعلياً منظومات الردع المفترضة.

 

بل إن الشواهد في قطر وغيرها، حين حامت المسيّرات ووقعت الضربات، كشفت أن تلك المنظومات قد تظل صامتة وكأن قرار تفعيلها ليس سيادياً خالصاً، بل يخضع لحسابات خارجية تحدد متى يُستخدم السلاح ومتى يُترك في وضع المتفرج لتمرير رسائل سياسية معينة.

 

• ولم يقف الأمر عند حدود الاختراق، بل إن هذه الوقائع لم تقابل بردع حقيقي، ولم تترتب عليها كلفة سياسية واضحة، بما يعكس خللاً عميقاً في مفهوم الحماية ذاته.

 

• وفي سياق موازٍ، لم تعد القواعد الأجنبية مجرد أدوات دفاع، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى عناصر استدعاء للخطر ذاته الذي يُفترض أنها جاءت لمنعه.

 

• فمع تصاعد التوترات الإقليمية، أصبحت هذه القواعد أهدافاً مباشرة أو غير مباشرة لأي تصعيد، أو على الأقل ذريعة جاهزة لتبرير الضربات والردود.

 

• وهكذا، تنتقل القواعد من موقع الدرع إلى موقع نقطة الجذب، حيث تتقاطع عندها حسابات الصراع الدولي، وتدفع الدول المضيفة، دون إرادة كاملة، إلى قلب المواجهة.

 

وهو ما يطرح سؤالاً حاداً:

 

هل هذه القواعد درع يقي، أم مغناطيس للنيران؟

أم كليهما معاً في معادلة سيادية خاسرة؟

 

رابعا : الهدف والرسالة

 

إن التجربة الإقليمية خلال العقود الماضية تشير بوضوح إلى أن الأمن الذي يقوم على الاعتماد الخارجي يظل أمناً هشاً، قابلاً للاختراق، ومعرضاً للابتزاز السياسي.

فالحماية التي تُشترى بالمال لا تنتج استقلالاً، والحماية التي تُدار من الخارج لا تمنح سيادة، بل تعيد تعريفها بما يتناسب مع مصالح من يملك أدوات القوة.

 

ومن ثم، فإن إعادة النظر في هذا النموذج لم تعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة استراتيجية تفرضها الوقائع.

 

إن الطريق نحو أمن حقيقي يبدأ من بناء قوة ذاتية مستقلة، وتطوير منظومات دفاع وقرار وطني غير مرتهن،

وتعزيز التكامل الإقليمي بين دول تشترك في الجغرافيا والمصير.

 

فبغير ذلك، ستظل فاتورة الحماية تُدفع، لا من المال فقط، بل من جوهر السيادة ذاته، بل وربما تُدفع يوماً من استقرار الدول نفسها، حين تتحول أدوات الحماية إلى عوامل ضغط لا يمكن الفكاك منها.

 

تمهيد للمقال القادم

 

هذا الارتهان الخارجي لم يبقَ مجرد اعتماد أمني، بل تحول إلى مدخل لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، تمهيداً لكسر أحد أعمدتها الكبرى.

 

في المقال القادم:

سقوط بغداد 2003.. الجرح الذي لم يندمل وتدشين عصر الفوضى

نكشف كيف أدى تدمير العراق إلى كسر التوازن الإقليمي، وفتح أبواب المنطقة لرياح التفتيت الشامل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock