دين ومجتمع
زكاة الفطر كأداة لترميم السيادة النفسية..مرافعة في فقه التيسير المعاصر
بقلم/د. كامل كمال عبد القوي

الافتتاحية
عبادة الروح والجسد:
مع دنو ساعة الرحيل لشهر رمضان المبارك، تطل علينا زكاة الفطر لا كمجرد ضريبة مالية يلقى بها في كف محتاج،
بل كشريعة سماوية باذخة الطهر، تهدف إلى غسل ما علق بالصوم من شوائب اللغو، وتشييد جسور السيادة المعنوية في نفوس الضعفاء.
إنها العبادة التي تزاوج بين طهرة الذات وكفاية الجماعة، ليكون العيد عيدا للجميع، لا بهجة للأغنياء وغصة للمساكين.
هي هندسة اجتماعية رصينة، تجعل من مصلحة الإنسان مدارا للأحكام، ومن الإغناء غاية لا تقبل التعطيل، استمساكا بنور قول الحق سبحانه:
يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر
(البقرة 185)
فالسيادة الفقهية الحقيقية هي التي تجعل الإنسان مقدماً على الجماد، ومصلحة المسكين هي البوصلة التي يتجه إليها كل اجتهاد سديد.
الاستهلال
في محراب الفريضة:
إن فلسفة زكاة الفطر تقوم على مبدأ الإغناء، وهو مفهوم مرن حي يتطور بتطور الزمان والمكان، ليبقى الإنسان هو القبلة، ومصلحته هي الغاية.
والوسيلة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم في شأنها:
أغنوهم عن طواف هذا اليوم.
(الدارقطني والحاكم)
وفي هذا النص النبوي الخالد يغدو الإغناء غاية استراتيجية كبرى، بينما تظل الوسيلة تابعة للمصلحة، متغيرة بتغير أحوال الناس، لا حبيسة لقالب شكلي واحد.
لقد فرضت صاعا من أقوات شتى لأنها كانت لغة التعامل وقوام الحياة في ذلك العصر،
فهل يظل الصاع مقصودا لذاته في زمن اختلفت فيه لغة المصالح وتعددت فيه الحاجات؟
الموضوع
أولاً: أصل الوجوب وفلسفة زكاة الرؤوس
تتميز زكاة الفطر بكونها زكاة رؤوس لا زكاة أموال،
فهي ضريبة على كينونة الإنسان المسلم وبدنه، لا على مدخراته وقنيته.
ومن هنا فقد أوجبها الشارع الحكيم على كل فرد في المجتمع الصغير والكبير، الذكر والأنثى، الحر والعبد، والموسر والمعسر الذي ملك فضل يومه.
والدليل ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حين قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين.
(متفق عليه)
وهنا تبرز لفتة فلسفية باهرة، فحتى الفقير الذي يقتات من صدقات الناس، ألزمه الشرع أن يخرج زكاة فطره مما تحصلت عليه يده،
والغاية هنا استنهاض السيادة النفسية لدى المستضعف، ليذوق لذة اليد العليا ولو لمرة واحدة في العام،
فيخرج من سجن المتلقي إلى رحابة المعطي، ويستشعر كرامته الإنسانية التي لا تمنعها رقة الحال، فيكون شريكا في صناعة الجود لا مجرد وعاء له.
ثانياً: مقدار الزكاة ومرونة النص وسعة التقدير:
لقد حدد النبي صلى الله عليه وسلم مقدار الزكاة بالصاع، وهو مكيال نبوي يعادل اليوم تقريبا اثنين كيلوجرام ونصف الكيلو من الحبوب.
بيد أن المرونة المحمدية تجلت في تنويع الأصناف المنصوص عليها ما بين تمر وشعير وزبيب وأقط.
هذا التعدد ليس مجرد سرد تاريخي،
بل هو توسعة سيادية تراعي تباين القدرات المادية وتعدد طبقات المزكين.
فالمزكي المتوسط يستند في تقديره للقيمة على سعر القمح أو الأرز،
بينما الغني المقتدر ينبغي أن يقيس على الزبيب أو التمور الفاخرة،
ومن ثم تتحرك القيمة النقدية صعودا لتناسب حال المزكي وتحقق نفعا أكبر للآخذ.
إنها دعوة صامتة للغني أن يتناسب عطاؤه مع مستوى معيشته، فلا يستوي عند الله من يقتات الشعير ومن ينعم بأجود الثمرات،
فالحق أن القيمة تتبع حال باذلها وسعة مستحقها، وهو ما يحقق العدالة التوزيعية في أبهى صورها.
ثالثاً: مدرسة الحرف والرد على دعوى أعلمية الشارع:
يتخندق البعض خلف حرفية النص التاريخي، مصرين على إخراج الزكاة حبوبا حصرا، ورافعين في وجه أهل التجديد تساؤلا عاطفيا:
هل أنتم أعلم بحال الفقير أم الله ورسوله؟
والرد الفلسفي الحاسم هو أن الله ورسوله أعلم يقينا بجوهر المصالح وتقلب الأزمان، ولأن الشارع أعلم بحال الخلق، فقد أرسى تشريعا مرنا يراعي مصلحة الإنسان كغاية عليا.
إن إخراج الحبوب في عهد النبوة كان هو عين التيسير لأنها كانت بمثابة النقود الغذائية التي يقبلها الجميع.
ولنا في فعل الصحابة أسوة، فقد أخذ معاذ بن جبل رضي الله عنه الثياب بدلاً من الذرة والشعير في زكاة أهل اليمن قائلاً:
ائتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم في الصدقة مكان الشعير والذرة، أهون عليكم وخير لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدنية. (البخاري)
تعليق:
أما في عصر الاقتصاد النقدي المعقد، فإن حصر العطاء في الحبوب يمثل نوعا من الحرج المرفوع شرعا بقوله تعالى:
وما جعل عليكم في الدين من حرج. (الحج 78)
رابعاً: المقارنة الفلسفية بين كرامة النقد وذلة المقايضة
لنتأمل بعين العقل الناقد،
حين يجبر الفقير اليوم على قبول الحبوب وهو في أمس الحاجة لثمن دواء، أو سداد إيجار، أو كسوة عيد لأطفاله،
فإنه يضطر تحت وطأة العوز لبيع تلك الحبوب فورا بثمن بخس لتاجر يتربص به ليحصل على سيولة نقدية.
هنا تنقلب الزكاة، بسبب التشدد الحرفي، من منحة للفقير إلى ربح مجاني للمحتكر،
وتتبخر حكمة التشريع في أتون الشكليات.
فأيهما أولى بجلال الدين ووقار الإنسان، أن يخرج الفقير من بيته منكسرا ليقايض صاعه بخسارة،
أم أن يصله المال رقميا أو نقدا في عقر داره فيقضي مآربه بكرامة وسيادة؟
كان هدى النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، (متفق عليه)
والتيسير اليوم يكمن بلا ريب في القيمة التي تحقق الإغناء المنشود بكرامة تامة، بعيدا عن أعين الفضوليين ومنة المتصدقين.
ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:
يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا. (متفق عليه)
خامساً: السيادة للنقود في عصر الخدمات:
إن القول بجواز القيمة هو مذهب ثلة من سلف الأمة الأعلام كالإمام أبي حنيفة وعمر بن عبد العزيز والحسن البصري.
وفي زماننا هذا، غدت النقود الوسيلة الكلية والوحيدة لقضاء المصالح المعيشية. الحبوب لم تعد تتناسب حتى مع المجتمعات الريفية التي تحولت إلى نمط استهلاكي حديث يعتمد على النقد في كل تفاصيل الحياة.
لذا فإن إخراج القيمة هو الأولى والأصوب،
فهو أصون لكرامة الآخذ، وأيسر لجهد المعطي.
إننا بإعطاء المال نمنح الفقير حرية الاختيار، وهي أرقى مراتب التكريم الإنساني وسيادة الإرادة.
سادساً: فقه الممرات بين صلة القربى وسيادة المؤسسة:
يستوجب فقه التيسير مرونة في جهة الصرف ووقت الإخراج، بما يحقق الأثر الأعظم والبركة الأوسع.
• من حيث وقت الإخراج، يجوز تقديمها منذ بزوغ فجر الشهر الفضيل
ليتسنى للفقير تدبير شؤونه قبيل زحام العيد،
وهذا هو جوهر الرفق الإيماني.
• من حيث جهة الصرف، بمجرد إيداعك الزكاة لدى الجمعيات والمؤسسات الموثوقة فقد برئت ذمتك تماما وسقط عنك عناء البحث،
فهذه المؤسسات تملك قواعد بيانات تضمن توزيعا عادلا بسيادة مؤسسية بعيدة عن العشوائية.
• من حيث نقل الزكاة، يجوز عقلا وشرعا نقل الزكاة من مكان المزكي إلى أماكن أكثر فقرا أو بلاد تعاني ويلات الحروب والمجاعات، فإذا اكتفى أهل الحي وجب نقل الفائض لترميم جراح الأمة في أقطار أخرى،
فالإسلام رحم واصلة وجسد واحد أينما وجد المؤمنون.
الخاتمة
العبادة مقصد لا شكل:
زكاة الفطر رسالة شكر من العبد لربه، ورسالة حب من الغني لأخيه. ولن تكتمل ملامح هذه الرسالة إلا إذا بلغت صاحبها بأكثر الصور نفعا له.
إن السيادة الفقهية الحقيقية هي التي تجعل الإنسان مقدماً على الجماد، ومصلحة المسكين هي البوصلة التي يتجه إليها كل اجتهاد سديد.
السؤال الفلسفي
هل العبادة هي الجمود على وسائل الماضي في قوالبها الزمنية؟
أم هي الامتثال لمقاصد الوحي التي أرادت للإنسان العزة والكفاية واليسر والكرامة؟
التوصية المنهجية
نوصي بتبني الزكاة الرقمية والتحول نحو القيمة النقدية كأصل حضاري في هذا العصر،
فالزكاة الرقمية تضمن سرعة الاستجابة للأزمات وترميم جراح المنكوبين في زمن قياسي.
إن الفقير الذي نطعمه صاعا قد يظل جائعا لكرامته ولحاجاته الدوائية والتعليمية،



