فن وثقافة

ثلاثة أرباع

جريدة الصوت

 

الكاتبة سعاد الورفلى

قال في نفسه، كيس لي، ولها، والثالث مناصفة بين يوم وليلة، جمع ما تبقى من طعام داخل المقهى، جر قدميه المثقلتين من الوقوف طيلة الأيام الماضية وهو يوزع الصحون والأطعمة على الوافدين، المطر بللت وجهه وشعره، صارت الشوارع خالية من البشر، قطط هنا وهناك كأنما يطاردها شبح، تكاد تلتهم الأكياس من يده وهو يحث السير مسرعا حيث أماكن تجمع النقل العام، بينما حاول الدخول بين المكتظين على سيارة النقل العام وفي محاورة لسائق الأجرة أن يخفض التسعيرة، وبعضهم الآخر يناوشه أن المكان ليس بالبعيد، فكر قليلا في نفسه والطريقة التي يفوز بها بالجلوس على الكرسي المحاذي للنافذة… لأن الذكريات والأغاني ستحتشد دفعة واحدة وهو يرسل نظره بين الهضاب والغابات، والنساء المصطفات على نواصي الطرقات، والباعة حيث المطاعم الشعبية الصغيرة، وروائح المحاشي والمقالي والطبيخ. وآخرون انفردوا تحت أشجار الصنوبر يشوون الأسماك ويتبلونها بمقبلات تثير شهيته الخاملة من روائح الطبيخ التي استقرت في حسه الذوقي، فالكرسي المحاذي للنافذة صار شغله الشاغل في مثل هذا الشتاء الممطر، مع أغنية يغيب على لحنها في ذكريات قديمة شغلت مهجته وهو يرى بين أحداثها العدمية أنه فعل فيها ما يعجز عن فعله في الحقيقة…. اقترب من السائق قايضه همسا، نظر السائق في الأكياس الثلاثة، فكر قليلا … سحب سيجارة متبقية، نفثها، جاءت على باله فكرة، قال: نعم نعم هناك كرسي ثلاث أرباع، يكفي ثلاثة والرابع ينحدر نصفه في الفراغ! قال له: لكنني أريد النافذة! التفت السائق، طلب من امرأة مسنة نحيفة أن تترك مكان النافذة متحججا أن الزجاج مكسر ربما تصاب بالبرد، انتقلت إلى حافة الكرسي، بينما ظل نصفها في الفراغ أخذ السائق الأكياس الثلاثة، بينما أسرع الرجل نحو كرسي النافذة، انطلقت السيارة والأغاني تصدح كالعادة، فجأة صراخ و ولولة، مالت السيارة نحو المنعطف، ترنحت المرأة النحيفة، تدحرجت، بين الركاب، تكسرت ساقها، قفز الرجل من النافذة، أكمل طريقه، وكلتا يديه في جيبه الفارغ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock