
إعلموا أن الإسلام دين الصلاح والإصلاح، يدعو إلى الخير وينهى عن الشر والإفساد والإفساد في الأرض شيمة المجرمين، وطبيعة المخربين، وعمل المفسدين، ففيه ضياع للأملاك، وضيق في الأرزاق، وسقوط للأخلاق، إنه إخفاق فوق إخفاق، يحول المجتمع إلى غابة يأكل القوي فيه الضعيف، وينقض الكبير على الصغير، وينتقم الغني من الفقير، فيزداد الغني غنى، ويزداد الفقير فقرا، ويقوى القوى على قوته، ويضعف الضعيف على ضعفه والفساد داء ممتد لا تحده حدود، ولا تمنعه فواصل، يطال المجتمعات كلها متقدمها ومتخلفها بدرجات متفاوتة، وإن شرائع السماء كلها نهت عن الفساد في الأرض ودعت الناس إلى عدم الانقياد لهم أو معاونتهم فإن من أعان المفسدين أو رضي بأفعالهم أو تستر عليهم فهو شريك لهم في الإثم، وإعلموا يا عباد الله أن هذه الدنيا مليئة بالهموم والأكدار وقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
“إن لكل فرحة ترحة وما مليء بيت فرحا إلا مليء ترحا” وقال ابن سيرين “ما ضحك إلا كان بعده بكاء ” وإن المصيبة حين تحل بالعبد فلابد أن يكون لنزولها سب وهذا السبب في غالب الأمر لأجل ما كان من العبد من معصية اجترحتها يداه أو تفريط في طاعة مولاه، حيث قال تعالى “وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير” وقال سبحانه ” أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا، قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير” وروى الطبري، عن البراء رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” ما اختلج عرق، أي اضطرب ولا تحرك عرق ولا عين إلا بذنب، وما يدفع الله أكثر ” وقال ابن سيرين ” إني لأعلم الذنب الذي حرمت به قيام الليل أربعة أشهر ذاك ني قلت لرجل يا مفلس ” وقال أبو سليمان الداراني ” قلّت ذنوبهم فعرفوا من أين أوتوا وكثرت ذنوبنا فلم ندر من أين نؤتى ”
وسار أحد العلماء ومعه أحد طلابه فمرت امرأة فأطلق الطالب بصره فيها، فقال الشيخ ” والله لتجدن غبها ولو بعد حين ” فنسي القرآن بعد أربعين سنة، وقد كان حافظا له ونعوذ بالله من سخطه وعقابه، ولقد نهى الله تعالى عن الفساد والمفسدين ومن يتستر عليهم فقال ” ولا تعاونوا على الأثم والعدوان” وقال الله تعالى ” ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون فى الأرض ولا يصلحون” و قال الله تعالى ” ولا تفسدوا فى الأرض بعد إصلاحها” وهذه الآيات العظيمة، وغيرها مما يقارب خمسين آية في كتاب الله تعالى كلها تحذر من الفساد بجميع صوره وأشكاله وأنواعه والتحذير من الفساد جاء عاما، للتحذير من كل صور الفساد، ولم يخصص نوعا من أنواع الفساد حتى يبتعد المسلمون عن جميع الصور، فسبحان الله العظيم، من للعباد غيره يدبر الأمر ومن يعدل المائل من يشفى المريض ومن يرعى الجنين فى بطون الحوامل من يحمى العباد وهم نيام.
وهل لحمايته بدائل من يرزق العباد ولولا حلمه لأكلوا من المزابل من ينصر المظلوم ولولا عدله لسووا بين القتيل والقاتل، ومن يظهر الحق ولولا لطفه لحكم القضاة للباطل، من يجيب المضطر اذا دعاه، وغيره استعصت على قدرته المسائل من يكشف الكرب والغم ومن يفصل بين المشغول والشاغل من يشرح الصدور ولولا هداه لنعدم الكوامل من كسانا، من أطعمنا وسقانا، من كفانا وهدانا من خلق لنا الأبناء والحلائل من سخر لنا جوارحنا ومن طوع لنا الأعضاء والمفاصل من لنا إذا إنقضى الشباب وتقطعت بنا الأسباب والوسائل هو الله، هو الله، هو الله الإله الحق وكل ما خلا الله باطل، والإفساد في الأرض أمر يجب التحذير منه والتنبه له، لأنه أمر مخالف لدعوة الأنبياء والرسل عليهم السلام الذين جاءوا بالإصلاح في الأرض، وإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله عز وجل، وتتابعت رسُل الله وأنبياؤه ينهون عن الفساد في الأرض.
وإن للإفساد في الأرض صور وأشكال وألوان مختلفة ومتعددة، وإن الله سبحانه وتعالى قد أحسن كل شيء خلقه، فأحسنه وجوده وأتقنه، وجعله بديعا في هيئته ووظيفته على حسب ما تقتضيه حكمته سبحانه وتعالى، ويتجلى إتقان الله عز وجل في هذه المخلوقات التي خلقها، وكلما تدبرت آثار خليقته ترى التقدير بميزان، والحساب بإتقان، وقال ابن القيم رحمه الله والرب تعالى يحب أسماءه وصفاته، ويحب مقتضى صفاته، وظهور آثارها في العبد، فإنه جميل يحب الجمال، عفو يحب أهل العفو، كريم يحب أهل الكرم، عليم يحب أهل العلم، وتر يحب أهل الوتر، قوي والمؤمن القوى أحب إليه من المؤمن الضعيف صبور يحب الصابرين، شكور يحب الشاكرين.



