عربي وعالمي

الجمعية النسائية الكردية بالنمسا تقيم أمسية توعوية عن العنف النفسي واضطراب التوحد

بقلم / هالة المغاوري فيينا

ليست كل الحروب تُخاض في الشوارع، ولا كل أشكال العنف تُرى بالعين. هناك معارك صامتة تدور يوميًا داخل الإنسان، في أعماقه التي لا يلاحظها أحد، حيث يمكن لكلمة صغيرة أن تهدم طمأنينته، ويمكن لنظرة قاسية أو تجاهل مستمر أن يترك داخله تصدعات لا تُشفى بسهولة.
وفي الوقت الذي يزداد فيه انشغال العالم بالضجيج الخارجي، تبقى الأزمات النفسية واحدة من أكثر القضايا التي تعاني في صمت، خصوصًا حين يتعلق الأمر بالأطفال والأشخاص الأكثر هشاشة في مواجهة المجتمع.
من هذه الزاوية الإنسانية العميقة جاءت الأمسية التوعوية التي نظّمتها جمعية المرأة الكوردية النمساوية للفن والثقافة برئاسة الأستاذة سوسن ديكوا، وبالتعاون مع جمعية “Gulê Kurdistanê”، لتسلّط الضوء على قضيتين تمسان جوهر الإنسان: العنف النفسي واضطراب التوحّد عند الأطفال. وهي قضايا لا تتعلق فقط بالصحة النفسية أو التربية، بل ترتبط بشكل مباشر بمدى إنسانية المجتمعات وقدرتها على الفهم والاحتواء.
العنف النفسي غالبًا ما يبدأ بشكل غير ملحوظ، ويتخفّى خلف تفاصيل يومية يراها البعض “عادية”، لكنه مع الوقت يتحول إلى عبء ثقيل على الروح. فالتقليل المستمر من قيمة الإنسان، أو إشعاره بأنه غير كافٍ، أو تجاهل مشاعره واحتياجاته، كلها ممارسات تترك آثارًا عميقة قد ترافقه لسنوات طويلة. الأخطر في هذا النوع من العنف أنه لا يترك أدلة ملموسة، لذلك يجد كثير من الضحايا أنفسهم عاجزين حتى عن شرح ما يشعرون به.
وفي الجانب الآخر من النقاش، برز الحديث عن اضطراب التوحّد بوصفه دعوة لإعادة تعريف مفهوم الاختلاف. فالأطفال المصابون بالتوحّد لا يحتاجون إلى نظرات شفقة أو أحكام جاهزة، بل يحتاجون إلى مجتمع يمتلك الوعي الكافي ليفهم أن لكل إنسان طريقته الخاصة في التواصل مع العالم. هؤلاء الأطفال يشعرون، ويحبون، ويتألمون، لكن بلغتهم الخاصة التي قد لا يفهمها الجميع بسهولة.
وقد شكّلت استضافة الأستاذة Amal Ahmed المحور الأهم في الأمسية، حيث قدّمت طرحًا إنسانيًا عميقًا تجاوز حدود التعريف النظري بالقضية، ليدخل مباشرة إلى التفاصيل التي يعيشها الإنسان داخل بيئته اليومية. تحدثت عن العنف النفسي بوصفه أحد أكثر أشكال الأذى خطورة، لأنه يهاجم الإنسان من الداخل ويستنزف ثقته بنفسه وقدرته على الشعور بالأمان.
وأشارت إلى أن كثيرًا من الأشخاص قد يعيشون سنوات طويلة تحت تأثير هذا النوع من العنف دون أن يدركوا حقيقة ما يتعرضون له، لأن المجتمع غالبًا ما يستهين بالأذى غير المرئي.
كما تناولت الأستاذة Amal Ahmed التحديات التي تواجه الأطفال المصابين باضطراب التوحّد، مركّزة على أهمية الوعي الأسري والمجتمعي في احتواء هؤلاء الأطفال بدلًا من عزلهم أو التعامل معهم بخوف وسوء فهم. وأكدت أن الطفل المصاب بالتوحّد لا يحتاج إلى أن يتغير ليتناسب مع المجتمع، بل إن المجتمع نفسه هو من يحتاج إلى قدر أكبر من الوعي والتقبّل والرحمة.
ولم يقتصر دورها على إلقاء المحاضرة فقط، بل حرصت على فتح باب الحوار مع الحضور، حيث أجابت عن أسئلة ومداخلات المشاركين بصراحة واهتمام كبيرين، ما أضفى على الأمسية طابعًا تفاعليًا وإنسانيًا عميقًا. وقد تنوعت الأسئلة بين الحديث عن تأثير العنف النفسي داخل الأسرة، وكيفية اكتشاف أعراضه، وسبل دعم الأطفال المصابين بالتوحّد نفسيًا واجتماعيًا، إضافة إلى التحديات التي تواجه الأهل في التعامل مع نظرة المجتمع.
هذا التفاعل لم يكن مجرد فقرة جانبية في الأمسية، بل بدا وكأنه مساحة اعتراف جماعية بالألم الإنساني الذي غالبًا ما يبقى مخفيًا خلف الصمت. فالكثير من الحضور وجدوا أنفسهم داخل القصص والمواقف المطروحة، وكأن الحديث لم يكن عن قضايا عامة فقط، بل عن تجارب شخصية يعيشها الناس بصمت يومي.
كما أضفت المشاركة الفنية لكل من Rinass Agrî وRamyar Hami بُعدًا وجدانيًا خاصًا على الأمسية، في تأكيد واضح على أن الفن يمكن أن يكون وسيلة مقاومة ناعمة ضد القسوة، وأن الموسيقى والكلمة والصوت قادرة أحيانًا على الوصول إلى أماكن تعجز عنها المحاضرات والنقاشات المباشرة.
ما يجعل هذه القضايا شديدة الحساسية هو أنها ترتبط بكرامة الإنسان من الداخل؛ بالحق في أن يشعر بالأمان، وأن يكون مفهومًا ومقبولًا دون خوف من الأحكام أو الإقصاء. فالكثير من الأذى الذي يحمله البشر معهم لا يأتي من الأحداث الكبيرة فقط، بل من تراكمات صغيرة لم يجدوا من يخففها أو يعترف بها.
وفي عالم أصبح أكثر سرعة وبرودة، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة الاعتبار لفكرة الرحمة نفسها؛ الرحمة التي لا تعني الشفقة، بل القدرة على رؤية الإنسان بضعفه، والاستماع إليه دون تقليل من ألمه، ومنحه مساحة آمنة ليكون نفسه.
لأن بعض الأرواح لا تحتاج معجزة كي تنجو… بل تحتاج فقط إلى شخص يفهمها دون أن يطلب منها أن تبرر اختلافها أو وجعها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock