عربي وعالميمقالات وآراء
الخيط الذي يغير المعادلة: كيف تعيد الألياف الضوئية تشكيل قواعد الاشتباك في جنوب لبنان؟
.عمروبسيوني

تكنولوجيا بسيطة بتكلفة لا تتجاوز 400 دولار تحير أعقد أنظمة الدفاع الإسرائيلية، وتحوّل المسيّرات إلى “طائرات انتحارية” عصية على التشويش
في تطور عسكري لافت، تحولت المسيرات الصغيرة المسيّرة عبر كابلات الألياف الضوئية إلى ما تصفه مصادر إعلامية إسرائيلية بأنه “أخطر تهديد” يواجه قوات الاحتلال في جنوب لبنان.
هذه الطائرات دون طيار، التي لا تتجاوز تكلفة الواحدة منها بضع مئات من الدولارات، تمكنت من اختراق أنظمة دفاع معقدة كلفت إسرائيل مليارات الدولارات، مما أثار حالة من الذهول داخل المؤسسة العسكرية وأجبر القيادة على عقد اجتماعات طارئة لإيجاد حلول جذرية.
تعمل هذه المسيرات بتقنية First Person View، لكن سر قوتها لا يكمن فقط في قدرتها على المناورة بل في وسيلة التحكم بها. فعلى عكس الطائرات بدون طيار التقليدية التي تعتمد على موجات الراديو أو نظام تحديد المواقع، تتصل هذه إعلامية إسرائيلية المسيّرات بمشغلها عبر كابل من الألياف البصرية لا يتجاوز سمك خيط تنظيف الأسنان.
هذا الخيط الرفيع للغاية يحدث فرقاً جذرياً في ساحة المعركة، فهو يوفر مناعة تامة ضد التشويش، إذ أنها لا ترسل أو تستقبل أي إشارات لاسلكية، مما يجعل أنظمة الحرب الإلكترونية الإسرائيلية التي صممت لقطع الاتصال بالطائرات المعادية عديمة الفائدة تماماً.
كما يسمح الكابل بنقل فيديو عالي الدقة وبدون أي تأخير، مما يمكن المشغل من رؤية ما تراه الطائرة بوضوح وتوجيهها بدقة متناهية إلى نقاط الضعف في الدبابات أو تجمعات الجنود، وكثيراً ما شبه مراقبون عسكريون سهولة استخدامها بأنها أسهل من ألعاب الفيديو.
إضافة إلى ذلك، فإن هذه المسيّرات صغيرة الحجم، تطير على ارتفاع منخفض، ولا تصدر أي انبعاثات حرارية أو رادارية يمكن الاعتماد عليها، مما يجعل اعتراضها بالوسائل التقليدية أشبه بإبرة في كومة قش.
الخبراء العسكريون الإسرائيليون، مثل ران كوخاف، قائد سلاح الدفاع الجوي الإسرائيلي السابق، اعترفوا علناً بعجزهم الحالي عن التصدي لهذه التكنولوجيا.
المعادلة التي اعتمد عليها جيش الاحتلال لعقود، والتي تقوم على تفوقه التكنولوجي وقدرته على تعطيل اتصالات العدو، انهارت أمام هذا الخيط البسيط. بحسب تقارير إسرائيلية، فإن حزب الله لم يكتفِ باستيراد هذه التكنولوجيا التي أظهرت فعاليتها في حرب أوكرانيا، بل طوّرها وأنشأ وحدات متخصصة لتشغيلها. تُظهر إحصائيات هيئة البث الإسرائيلية أن هذه المسيّرات كانت مسؤولة عن إصابة 37 جندياً من أصل 39 سقطوا خلال فترة ثلاثة أسابيع فقط في جنوب لبنان.
القائد السابق في وزارة جيش الاحتلال، مناحيم لانداو، وصف الأمر قائلاً إن هذه قدرة جديدة ورخيصة الثمن، وإن حزب الله يدرب الأشخاص المناسبين لاستخدامها بسهولة.
في مواجهة هذا الواقع، يبدو أن قادة الاحتلال فقدوا توازنهم. رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تدخل شخصياً، وأمر بمشروع خاص لإحباط تهديد المسيّرات، لكنه أقر بأن الحلول ستستغرق وقتاً. التقارير تشير إلى أن الحلول الحالية التي لجأ إليها الجيش الإسرائيلي تبدو بدائية وغير كافية، مثل تركيب شباك صيد أو أقفاص معدنية فوق الدبابات والمركبات المدرعة، في محاولة يائسة لإيقاف الطائرة قبل اصطدامها. شركات الأسلحة الإسرائيلية تتسابق الآن لتقديم بدائل، تتراوح بين أنظمة رشاشات ذكية يتم التحكم بها بالذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى طائرات اعتراضية صغيرة تطارد الطائرات المهاجمة. لكن المحللين يرون أن هذه الحلول ستظل غير حاسمة طالما أن تكلفة الفتك بالجندي الإسرائيلي لا تتجاوز 400 دولار، بينما تكلفة حمايته تصل إلى ملايين.
بعيداً عن الخسائر الميدانية، يستخدم حزب الله هذه المسيّرات كسلاح نفسي مؤثر. فالمقاطع المصورة التي تنشرها وسائل الإعلام التابعة للحزب، والتي تظهر لحظة اقتراب الطائرة من هدفها والاصطدام به، عززت في الأوساط الإسرائيلية شعوراً بالضعف وانعدام الأمن. الهاشتاغ الذي يروج له الحزب، “الخيط الذي يغير المعادلة”، لم يعد مجرد شعار دعائي، بل أصبح حقيقة ميدانية تعقد حسابات القادة الإسرائيليين وتثبت أن التكنولوجيا البسيطة، إذا استُخدمت بذكاء، قادرة على كسر أعتى أنظمة الدفاع في العالم.
“الخيط الذي يغير المعادلة”: كيف تعيد الألياف الضوئية تشكيل قواعد الاشتباك في جنوب لبنان؟



