
في قراءة متأنية لما طرحه المفكر الاستراتيجي اللواء دكتور سمير فرج في مقاله الأسبوعي، نجد أننا أمام استشراف عسكري لا يكتفي برصد الواقع، بل يغوص في فلسفة التحول التكنولوجي الذي أعاد تشكيل موازين القوى العالمية. لقد نجح اللواء فرج في تفكيك شيفرة “الدرونز” وكيف تحولت من مجرد “ألعاب أطفال” في متاجر “Toys R Us” إلى أداة هيمنت على عرش الحروب الحديثة، مسلطاً الضوء على مفارقة تاريخية مذهلة؛ فبينما كان المعتاد أن تمنح العسكرية اختراعاتها للمدنيين كما حدث في الرادار، جاءت المسيرات لتكسر هذه القاعدة وتثبت أن البساطة في الفكرة قد تتفوق على أعقد الأنظمة الرادارية والمقاتلات التي تناهز تكلفتها مئات الملايين من الدولارات.
وينتقل التحليل في مقال اللواء فرج ببراعة نحو نقطة الصراع الاقتصادي في ميدان القتال، وهي الزاوية التي قد تغيب عن الكثيرين، حيث لم تعد الحرب مجرد مواجهة نيرانية، بل أصبحت معادلة “تكلفة مقابل كفاءة”. فبينما يُستنزف الطيار التقليدي في سنوات من التدريب الشاق والمكلف، يظهر مشغل المسيرات كلاعب جديد لا يحتاج سوى لأشهر قليلة، مما خلق فجوة في العقيدة العسكرية الكلاسيكية. ولم يكن رصد اللواء فرج لتطور هذه المسيرات منذ حرب فيتنام وصولاً إلى الصراع الروسي الأوكراني مجرد سرد تاريخي، بل كان تتبعاً منطقياً لكيفية تحول “الدرونز” من عيون في السماء للاستطلاع إلى خناجر موجهة للاغتيالات الدقيقة والضربات الجوية المؤثرة، وهو ما تجلى في نماذج “بيرقدار” و”شاهد” و”بريديتور”.
غير أن الذروة التحليلية في المقال تكمن في طرحه لسلاح الليزر الجديد “لوكسيت” (LOCUST) كـ “ثورة مضادة” قد تنهي عصر السيادة المطلقة للمسيرات. فالمقال يقدم لنا رؤية للمستقبل حيث تصبح تكلفة إسقاط الطائرة التي تهاجم حاملات الطائرات لا تتعدى خمسة دولارات، في مقابل صواريخ دفاعية كانت تبتلع ملايين الدولارات في ثوانٍ معدودة. هذه النقطة تحديداً تعكس وعياً عميقاً بتبدلات الاستراتيجيات الدولية، حيث يعيد الليزر الاعتبار لمنظومات الدفاع الأرضي والبحري، رغم العيوب التقنية التي أشار إليها اللواء بصدق مهني والمتمثلة في تأثير العوامل الجوية والمدى.
إن التساؤل الذي ختم به اللواء سمير فرج مقاله حول قدرة الليزر على إنهاء عرش الدرونز، يفتح الباب أمام نقاش استراتيجي أوسع حول مستقبل “أسراب” الدرونز في مواجهة “أشعة” الليزر. فالتحليل لم يكتفِ بعرض السلاح الجديد، بل وضعنا أمام مشهد درامي لصراع العقول والمختبرات، حيث تظل التكنولوجيا العسكرية في سباق محموم لا ينتهي، تارة يسبق فيه الهجوم، وتارة يستعيد فيه الدفاع هيبته، مما يجعل من هذا المقال مرجعاً لا غنى عنه لفهم الخريطة القادمة للصراعات المسلحة في عالم لا يعترف إلا بالقوة والابتكار.



