مقالات وآراء

المواطن والسياسة.. إعادة هندسة العقد الإجتماعي في زمن التحولات الاقتصادية الكبرى

بقلم د-أحمد ابراهيم

العلاقة بين المواطن والسلطة ليست مجرد نصوص دستورية جامدة أو إجراءات بيروقراطية يومية بل هي كائن حي يتنفس من رئة الاقتصاد في قلب هذه العلاقة يقبع مفهوم العقد الاجتماعي ذلك الاتفاق الضمني غير المكتوب الذي يتنازل بموجبه الأفراد عن جزء من حرياتهم أو ولائهم لصالح الدولة مقابل التزام الأخيرة بتوفير الأمن والعدالة والاستقرار الاقتصادي

لكن ماذا يحدث عندما تعصف التغيرات الاقتصادية الحادة بأسس هذا الالتزام إن التحولات الاقتصادية المعاصرة لا تعيد تشكيل الأسواق فحسب بل تعيد صياغة الولاء السياسي وتضع شرعية النظم السياسية على المحك

أولاً: تآكل وعود الدولة الراعية وبداية التصدع

تاريخياً استندت شرعية الاستقرار السياسي في كثير من دول العالم إلى نموذج دولة الرفاهية أو الدولة الراعية كان العقد واضحا امنحونا الاستقرار والقبول السياسي ونمنحكم الوظائف المضمونة والتعليم المجاني والرعاية الصحية المدعومة

ومع ذلك فرضت التغيرات الاقتصادية الحديثة مثل موجات التضخم العالمي وتراكم الديون السيادية والانتقال نحو سياسات التقشف التقشفية واقعاً جديداً أجبر الدول على الانسحاب التدريجي من هذا الدور هذا الانسحاب لم يكن مجرد تغيير في الميزانيات بل كان بمثابة إعلان من طرف واحد لتعديل بنود العقد الاجتماعي عندما يجد المواطن نفسه مجبراً على دفع تكلفة الخدمات الأساسية من جيبه الخاص في ظل ثبات الأجور يتولد لديه شعور بالاغتراب السياسي وتتحول العلاقة مع الدولة من علاقة رعاية متبادلة إلى علاقة جباية مجردة

ثانياً: إعادة تعريف الطبقة الوسطى وظهور البريكاريا

أخطر ما تفعله الأزمات الاقتصادية بالبنية السياسية هو تفكيك الطبقة الوسطى وهي الصمام الأمان لأي نظام سياسي التضخم المتسارع لا يقلل من القوة الشرائية فحسب بل يلتهم الأمل في الحراك الاجتماعي الصاعد

في هذا السياق برز مصطلح سياسي واقتصادي جديد يعرف بالبريكاريا وهي طبقة اجتماعية جديدة تعيش في حالة دائمة من عدم الأمان الاقتصادي والوظيفي مثل العاملين في الاقتصاد الحر غير المنظم أو العقود المؤقتة هذه الطبقة لا تملك أمانا للمستقبل وبالتالي تفقد إيمانها بالعملية السياسية التقليدية عندما يشعر المواطن أن النظام الاقتصادي القائم لا يضمن له حدا أدنى من الكرامة يصبح أقل تمسكا بالمؤسسات السياسية القائمة وأكثر عرضة لتبني خيارات سياسية راديكالية أو مقاطعة العمل السياسي بالكامل

ثالثاً: صعود الشعبوية وأزمة الثقة في النخب

عندما يعجز العقد الاجتماعي عن الوفاء بوعوده يحدث فراغ في الثقة هذا الفراغ هو البيئة المثالية لنمو التيارات الشعبوية تلعب الشعبوية السياسية على وتر المشاعر الاقتصادية المحبطة حيث تقدم خطاباً مبسطاً يقسم المجتمع إلى جبهتين النخبة الفاسدة التي احتكرت الثروة، والشعب المظلوم الذي يدفع الثمن.

التغيرات الاقتصادية المتطرفة تجعل الجماهير تميل إلى القادة الذين يعدون بحلول سريعة وحاسمة حتى لو كانت تلك الحلول تتضمن تفكيك بعض آليات التوازن السياسي أو الديمقراطي يصبح معيار اختيار القائد السياسي ليس كفاءته المؤسسية بل قدرته على التعبير عن غضب المواطن ومخاوفه الاقتصادية

رابعاً: من المواطنة السياسية إلى المواطنة الاقتصادية

إن التحول الأعمق الذي نشهده اليوم هو انتقال وعي المواطن من التركيز على الحقوق السياسية المجردة مثل حق التصويت والتعبير إلى التركيز على الحقوق الاقتصادية المباشرة لم يعد المواطن يرى السياسة كصراع أيديولوجي بين يمين ويسار بل يراها كأداة لإدارة الموارد وتوزيع الأعباء

بناء على ذلك أصبحت التظاهرات والاحتجاجات الحديثة في مختلف دول العالم تنطلق من شرارة اقتصادية رفع أسعار الوقود فرض ضرائب جديدة إلخ قبل أن تتحول سريعاً إلى مطالب سياسية تطالب بإعادة هيكلة النظام كله هذا يثبت أن الخبز والحرية وجهان لعملة واحدة في العقد الاجتماعي الحديث

خامساً: أفق المستقبل نحو عقد اجتماعي جديد

لا يمكن للنظم السياسية أن تستمر في إدارة المجتمعات بأدوات القرن الماضي بينما تفرض اقتصاديات القرن الحادي والعشرين قواعدها إن استعادة الاستقرار السياسي تتطلب صياغة عقد اجتماعي جديد يتسم بالمرونة ويأخذ في الاعتبار المتغيرات التالية

العدالة الضريبية الانتقال من الضرائب غير المباشرة التي ترهق الفئات الأكثر فقراً إلى نظم ضريبية تصاعدية تعيد التوازن للمجتمع

شبكات الأمان الذكية استبدال الدعم العيني غير الفعال بالدعم النقدي المشروط والاستثمار المباشر في رأس المال البشري الصحة والتعليم

إدماج الاقتصاد الرقمي خلق مظلات حماية اجتماعية للعاملين في الاقتصاد الجديد وضمان عدم تخلفهم عن الركب

خاتمة

إن الاقتصاد ليس مجرد أرقام في جداول الحسابات الختامية للدول بل هو شريان الحياة الذي يغذي الاستقرار السياسي عندما تتغير البنية الاقتصادية لمجتمع ما يجب أن تتغير معها هندسة العقد الاجتماعي فالنظم السياسية التي تنجح في البقاء ليست تلك التي تقاوم التغيير الاقتصادي بل تلك التي تملك الشجاعة والمرونة لإعادة صياغة شروط عقدها مع المواطن بما يضمن له الكرامة والأمان مقابل الولاء والاستقرار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock