مقالات وآراء

تحت الأنقاض ٤٤٠,٩ كيلو يورانيوم مخصب

كتب / طارق غريب

هل تستطيع الولايات المتحدة الحصول على ٤٤٠ كيلو يورانيوم مخصب تحت الأنقاض في إيران؟
في أعقاب الضربات الجوية المشتركة الأمريكية الإسرائيلية على المنشآت النووية الإيرانية في يونيو ٢٠٢٥، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي .
في مقابلة مع برنامج ‘ فيس ذا نيشن ‘ على شبكة سي بي إس يوم ١٥ مارس ٢٠٢٦ أن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى ٦٠٪ ، والذي يقدر بحوالي ٤٤٠ كيلوغراماً ، أصبح مدفوناً الآن تحت الأنقاض الناتجة عن تلك الهجمات. وقال عراقجي حرفياً : ‘ منشآتنا النووية تعرضت لهجوم ، وكل شيء تحت الأنقاض ، بالطبع هناك إمكانية لاستخراجها ، لكن تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية ، لكن ليس لدينا حالياً برنامج أو خطة لاستخراجها من تحت الأنقاض’ .
هذا التصريح لم يكن مجرد ادعاء سياسي ، بل جاء مدعوماً بتقارير سابقة للوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) التي أكدت أن إيران كانت تمتلك بالضبط ٤٤٠.٩ كيلوغرام من اليورانيوم المخصب حتى ٦٠٪ قبل الهجمات مباشرة ، مما يجعل الكمية المذكورة حقيقة موثقة دولياً وليست مبالغة إيرانية.
يُعد هذا المخزون النووي حساساً للغاية لأنه يمثل خطوة فنية قصيرة جداً نحو التخصيب إلى درجة ٩٠٪ المطلوبة لصنع أسلحة نووية ، إذ يمكن تحويله إلى ما يقارب ١٠ قنابل نووية وفقاً لمعايير الوكالة الدولية.
وفقاً لتقارير الـIAEA الصادرة في فبراير ٢٠٢٦ ، فقد خُزن معظم هذا اليورانيوم في أنفاق تحت الأرض في مجمع إسفاهان للتكنولوجيا النووية، مع كميات أخرى موزعة بين نطنز وفوردو ، وهي مواقع تعرضت لضربات مباشرة أدت إلى دفن أجزاء كبيرة من البنية التحتية تحت الركام.
الوكالة أكدت أنها فقدت ‘ استمرارية المعرفة ‘ عن هذا المخزون بسبب عدم السماح لمفتشيها بالوصول إلى المواقع المتضررة ، مما يعني أن التصريح الإيراني يتوافق تماماً مع الحقائق الموثقة قبل الهجمات ولا يُعتبر بعيداً عن الواقع كما يدعي بعض المتشككين.
أما إمكانية حصول الولايات المتحدة على هذا المخزون عبر المفاوضات ، فتبدو ضعيفة جداً في الوقت الحالي ، حيث أكد عراقجي صراحة أن ‘ لا شيء على الطاولة الآن ‘ بشأن أي صفقة نووية. قبل الهجمات ، عرضت إيران ، حسبما أقر عراقجي نفسه ، تخفيف أو تخفيض تخصيب هذه الكمية إلى نسب أقل كجزء من مفاوضات كانت تُدار عبر سلطنة عمان مع إدارة الرئيس ترامب ، لإثبات أن طهران لا تسعى لأسلحة نووية. لكن اليوم ، مع استمرار التصعيد العسكري ، أصبحت إيران ترفض أي نقاش حول الاستخراج أو التخفيف ، مفضلة الاحتفاظ بالمادة مدفونة كورقة ضغط سياسية ، وهو ما يقلل فرص النجاح الدبلوماسي إلى الحد الأدنى دون تغيير جذري في الموقف الإيراني أو ضغوط دولية جديدة.
من الناحية العسكرية ، ناقشت الولايات المتحدة وإسرائيل جدياً إمكانية إرسال قوات خاصة برية للسيطرة على هذا المخزون ، كما كشفت تقارير أكسيوس في ٨ مارس ٢٠٢٦ استناداً إلى أربعة مصادر مطلعة.
وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في إحاطة كونجرسية : ‘ سيضطر الناس إلى الذهاب وأخذه ‘ ، في إشارة مباشرة إلى الحاجة لعملية برية.
الخيارات المطروحة تشمل إما نقل المادة خارج إيران بالكامل أو إحضار خبراء نوويين لتخفيفها في الموقع نفسه ، وقد أكد الرئيس ترامب أن إرسال قوات برية ممكن ‘ في مرحلة لاحقة ” بعد إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية بشكل كامل.
تُعتبر أي عملية برية فنية مشتركة أمريكية إسرائيلية تحدياً فنياً ولوجستياً هائلاً ، إذ تقع المواقع الرئيسية مثل أنفاق إسفاهان في عمق الأراضي الإيرانية ، محاطة بتحصينات تحت الأرض ودفاعات جوية متقدمة ، بالإضافة إلى الركام الذي يغطي المداخل بعد الضربات الجوية.
التقارير تشير إلى أن العملية ستكون محدودة بحجم ‘ غارات خاصة صغيرة ‘ وليست غزواً برياً واسعاً ، وستتطلب تعاوناً مع خبراء الـ (IAEA) للتعامل الآمن مع المادة الإشعاعية ، لكن المخاطر تشمل مواجهة مقاومة إيرانية محتملة أو تسريب إشعاعي أو حتى تصعيد نووي إقليمي.
رغم المناقشات الجادة داخل إدارة ترامب ، فإن التوقيت الحالي لا يسمح بعملية فورية ، إذ أكد ترامب أن مثل هذه المهمة لن تحدث ‘ الآن ‘ بل ‘ ربما لاحقاً ‘ بعد أن تصبح القوات الإيرانية ‘ مدمرة تماماً ‘ وغير قادرة على القتال على الأرض.
هذا يعكس تقديراً واقعياً للصعوبات ، حيث يتطلب الأمر أولاً تأكيد موقع المخزون بدقة عبر الاستخبارات ، ثم الوصول إليه وسط الركام ، وأخيراً السيطرة الجسدية عليه دون حوادث إشعاعية.
من جهة أخرى ، يدعم تقرير الـ (IAEA) الصادر في ٢٧ فبراير ٢٠٢٦ التصريحات الإيرانية جزئياً ، إذ أقر بأن المخزون البالغ ٤٤٠.٩ كيلوغرام كان موجوداً فعلياً قبل الهجمات ، وأن بعضه مخزن في أنفاق إسفاهان التي ربما نجت جزئياً من الدمار الكامل ، لكن الوكالة عاجزة عن التحقق من حالته الحالية بسبب رفض إيران السماح بالتفتيش. هذا يعني أن الادعاء بأنه ‘ تحت الأنقاض ‘ قد يكون صحيحاً وليس مجرد دعاية ، بل يعكس واقعاً فنياً مدعوماً بصور الأقمار الصناعية وتقارير سابقة للوكالة.
ومع ذلك ، يظل هناك شكوك حول ما إذا كانت إيران قد نقلت جزءاً من المخزون سراً قبل الهجمات أو إذا كانت بعض الكميات قد تدهورت بسبب الضربات ، لكن التقارير الاستخباراتية الأمريكية والإسرائيلية تؤكد أن معظمه لا يزال محاصراً تحت الركام في المواقع المستهدفة ، مما يجعل التصريح الإيراني أقرب إلى الحقيقة منه إلى الادعاء الكاذب.
بالنسبة لفرص النجاح في عملية عسكرية برية ، فإن الخبراء يحذرون من أن أي غارة خاصة ستحتاج إلى دعم جوي مكثف واستخبارات دقيقة للغاية ، وقد تشمل قوات دلتا فورس الأمريكية أو وحدات إسرائيلية خاصة ، كما نُشر في تقارير إعلامية عربية ودولية.
لكن التعقيدات اللوجستية ، مثل مسافة الاختراق داخل الأراضي الإيرانية والدفاعات الأرضية ، تجعل الاحتمالية منخفضة حالياً ، حتى مع وجود عناصر الخيانة من الداخل ، وتعتمد على تطورات الحرب المستمرة.
في سياق المفاوضات ، كانت إيران قد أبدت استعداداً سابقاً للتخلي عن المادة أو تخفيفها كتنازل كبير ، لكن رفضها الحالي يعكس استراتيجية انتظار انتهاء التصعيد لإعادة التفاوض من موقع أقوى ، مما يقلل من فرص الولايات المتحدة في الحصول عليها سلمياً دون ضغوط اقتصادية أو عسكرية إضافية.
أما التوقعات الدقيقة من الوكالة الدولية والاستخبارات الغربية ، فتدعم أن الكمية موجودة فعلياً تحت الأنقاض أو محاصرة في الأنفاق، وليست مجرد ادعاء بعيد عن الحقيقة، خاصة أن الـ (IAEA ) أكدت فقدان القدرة على التتبع بعد يونيو ٢٠٢٥ ، وهو ما يتوافق مع وصف عراقجي بدقة.
يواجه صناع القرار الأمريكيون خياراً صعباً بين الانتظار الدبلوماسي الذي قد يسمح لإيران باستعادة المادة لاحقاً ، أو المخاطرة بعملية برية فنية محدودة قد تحقق الهدف المتمثل في منع الانتشار النووي ، لكنها تحمل مخاطر تصعيد إقليمي هائل.
يبقى أن الولايات المتحدة قادرة نظرياً على الحصول على هذا المخزون إما بضغط دبلوماسي مكثف أو غارة خاصة مدروسة ، لكن الظروف الحالية تجعل الخيار العسكري أكثر واقعية في المراحل المتأخرة من الصراع ، معتمدة على إضعاف إيران أولاً.
الخلاصة أن التصريحات الإيرانية مدعومة بأدلة دولية ، والحصول الأمريكي ممكن لكنه يتطلب توازناً دقيقاً بين المخاطر والفرص ، في سياق يهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النووي العالمي.
هكذا يظل السؤال مفتوحاً ، لكن الواقع يشير إلى أن الولايات المتحدة تمتلك القدرة الفنية والعسكرية للتحرك ، شريطة توافر الظروف المناسبة ، بينما يعتمد النجاح على دقة الاستخبارات والتوقيت الاستراتيجي.
فالحصول على اليورانيوم المخصب هو الهدف الأول والأساسي من دوران رحى هذه الحرب .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock