مقالات وآراء

ثياب الاقتصاد بعيون مصرية (3)الأوكتاجون… العقل التكنولوجي للجمهورية الجديدة

بقلم - حسين عبيد

في كل مرة تنجح دولة في بناء مشروع استراتيجي جديد، لا يكون السؤال الحقيقي: كم بلغت تكلفة المشروع؟ بل: لماذا بُني؟ وما الرسالة التي يريد أن يبعث بها؟

 

هذا السؤال تبادر إلى ذهني وأنا أتابع الحديث عن “الأوكتاجون”، ذلك الصرح الذي أصبح أحد أبرز رموز التطور العسكري والتكنولوجي في الجمهورية الجديدة.

 

قد يظن البعض أن الاسم مجرد اختيار شكلي، لكنه يحمل دلالة تاريخية؛ فكلمة “الأوكتاجون” ذات أصل يوناني وتعني “ثماني الأضلاع”، كما أن “البنتاجون” في الولايات المتحدة يعني “خماسي الأضلاع”. وفي الحالتين، لم يعد الاسم مجرد وصف لشكل المبنى، بل أصبح رمزًا لمركز تُدار منه منظومة معقدة من القيادة وصنع القرار.

 

وأتذكر أن الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال زياراته الخارجية، حرص على الاطلاع على نماذج متقدمة لمراكز القيادة والسيطرة. وربما كانت تلك الزيارات جزءًا من رؤية أوسع لنقل الخبرات وبناء نموذج مصري يواكب التطور العالمي، حتى أصبح الحلم واقعًا يراه الجميع.

 

لكن الأوكتاجون، في تقديري، ليس مجرد مبنى حديث أو تصميم معماري مميز، بل هو تعبير عن فكرة جديدة في إدارة الدولة؛ فكرة تقوم على أن القرار الصحيح يحتاج إلى معلومات دقيقة، وتحليل سريع، وتنسيق بين الجهات المختلفة، مع الاعتماد على أحدث وسائل التكنولوجيا وتأمين الاتصالات والبيانات.

 

لقد تغير العالم كثيرًا. فلم تعد المواجهات تُحسم بالسلاح وحده، بل أصبحت المعلومة قوة، وأصبحت الهجمات الإلكترونية قادرة على تعطيل مؤسسات كاملة إذا لم تكن هناك منظومات حماية متطورة. ولهذا أصبحت مراكز القيادة والسيطرة عنصرًا أساسيًا في حماية الأمن القومي لأي دولة.

 

ومن أكثر ما لفت انتباهي في الأوكتاجون أن تصميمه يجمع بين روح الحضارة المصرية القديمة والعمارة الإسلامية، وبين أحدث ما وصلت إليه التكنولوجيا الحديثة. وكأن الرسالة تقول إن مصر لا ترى تعارضًا بين الاعتزاز بتاريخها والسعي إلى امتلاك أدوات المستقبل.

 

وربما لهذا السبب لم يعد بناء مثل هذه المشروعات رفاهية، بل ضرورة تفرضها طبيعة العصر، الذي أصبحت فيه سرعة اتخاذ القرار ودقة المعلومات وحماية البيانات من أهم عناصر قوة الدول.

 

وفي النهاية، يبقى سؤال يردده كثير من المصريين كلما شاهدوا مشروعًا قوميًا جديدًا:

 

يا مصر… بتعمليها إزاي؟

 

وربما تكون الإجابة ببساطة أن الدول التي تخطط للمستقبل لا تبني مباني فقط، وإنما تبني مؤسسات، وتستثمر في المعرفة، وتؤمن بأن التكنولوجيا أصبحت أحد أهم مفاتيح القوة في القرن الحادي والعشرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock