مقالات وآراء

حرية الملاحة البحرية في مضيق هرمز بين الحقيقة والخيال

دكتور احمد ابراهيم حنفي

​تظل الممرات المائية العالمية بمثابة الشرايين الحيوية التي تغذي جسد الاقتصاد العالمي وفي مقدمة هذه الشرايين يبرز مضيق هرمز بوصفه ليس مجرد ممر مائي عادي بل صمام أمان الطاقة العالمي وعقدة الجيوسياسة الأكثر تعقيدا في الشرق الأوسط ومع تصاعد التوترات الإقليمية والدولية من حين لآخر يتردد صدى مصطلح حرية الملاحة البحرية في المحافل الدولية والبيانات السياسية ولكن أين تقف هذه الحرية بين واقع الحقائق القانونية والعملية وبين خيالات التوظيف السياسي والتهديدات النظرية.
​الإطار القانوني ومعضلة التفسير والسيادة
​تكمن المفارقة الأولى في مضيق هرمز في طبيعته الجغرافية والقانونية فالمضيق الذي يربط بين الخليج العربي وخليج عمان تقع مياهه الإقليمية بالكامل ضمن السيادة الإقليمية لدولتين رئيسيتين هما سلطنة عمان والجمهورية الإسلامية الإيرانية وهنا تبرز الفجوة بين الحقيقة القانونية والخيال السياسي من خلال قراءتين مختلفتين للقانون الدولي.
​اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تقر هذه الاتفاقية مبدأ حق المرور العابر للمضايق الدولية وهو حق يمنح السفن التجارية والحربية على حد سواء حرية العبور السريع دون عوائق دون تفريق بين الدول الموقعة وغير الموقعة.
​الموقف الإيراني المغاير حيث وقعت إيران على الاتفاقية عام 1982 لكنها لم تصدق عليها برلمانيا وتتمسك طهران باتفاقية جنيف لعام 1958 التي تقر مبدأ المرور البريء وهذا الفارق المصطلحي ليس شكليا إذ يمنح المرور البريء الدولة الساحلية الحق في تعليق العبور إذا رأت فيه مساسا بأمنها أو سلمها وهو ما تحاول إيران فرضه كأداة ضغط قانونية وسياسية.
​حقيقة التهديد بالإغلاق هل هو ممكن عمليا
​في الأدبيات السياسية والإعلامية يتردد سيناريو إغلاق مضيق هرمز ككابوس مرعب للاقتصاد العالمي ولكن عند إخضاع هذا السيناريو للتحليل العسكري والعملي نجد أنه يقترب من الخيال أكثر منه إلى الحقيقة القابلة للاستدامة وذلك لعدة أسباب.
​الانتحار الاقتصادي للدولة المغلقة فإيران نفسها تعتمد بشكل شبه كامل على المضيق لتصدير نفطها واستيراد سلعها الأساسية وإغلاق المضيق يعني خنق الاقتصاد الإيراني ذاتيا قبل خنق الآخرين.
​الرد العسكري الدولي الصارم يمثل المضيق خطا أحمرا استراتيجيا للقوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بالإضافة إلى القوى الآسيوية المستهلكة للنفط كالصين واليابان والهند وأي محاولة لإغلاق مادي للمضيق ستواجه برد عسكري دولي حاسم يفوق قدرة أي طرف إقليمي على تحمله.
​الطبيعة الجغرافية للممر فالمضيق يمتلك عمقا ومساحة تجعل من الصعب إغلاقه هندسيا أو عسكريا بشكل كامل لفترات طويلة فالأمر يتطلب جهدا حربيا هائلا ومستمرا لتعطيل الملاحة كليا.
​الواقع الرمادي حرب الظل والتهديدات غير المتناظرة
​إذا كان الإغلاق الكامل خيالا فإن الحقيقة البديلة والأكثر واقعية هي التعطيل الجزئي والممنهج أو ما يعرف بحرب الظل وتتمثل هذه الحقيقة في تكتيكات مدروسة تهدف إلى رفع تكلفة التأمين على السفن وإرسال رسائل سياسية دون الوصول إلى حافة الحرب الشاملة.
​استخدام الطائرات المسيرة والألغام البحرية الذكية واحتجاز بعض الناقلات تحت ذرائع قانونية أو بيئية واهية والتشويش الإلكتروني على أنظمة الملاحة للسفن التجارية هذه الممارسات تجعل حرية الملاحة حقيقة منقوصة وتخضع لترمومتر التوتر السياسي بين واشنطن وطهران وتحول المضيق إلى ورقة مساومة في ملفات إقليمية ودولية أخرى كالملف النووي أو العقوبات الاقتصادية.
​خيارات البدائل وتكييف الجغرافيا لصالح الأمن
​أمام هذه الحقيقة المقلقة سعت دول المنطقة جاهدة لتحويل الاعتماد المطلق على هرمز إلى خيارات مرنة عبر بناء خطوط أنابيب بديلة لنقل النفط مثل خط أنابيب أبوظبي للفجيرة المطلة على خليج عمان وخط الأنابيب السعودي شرق غرب باتجاه البحر الأحمر ومع أهمية هذه البدائل إلا أنها تظل حلولا جزئية عاجزة عن استيعاب كامل الصادرات الخليجية مما يبقي هرمز في صدارة المشهد الاستراتيجي العالمي.
​خاتمة الحقيقة الثابتة وسط الرمال المتحركة
​في المحصلة إن حرية الملاحة في مضيق هرمز ليست حقيقة مطلقة كما أنها ليست خيالا مستحيلا إنها حقيقة مشروطة بموازين القوى الردعية وقدرة المجتمع الدولي على فرض هيبة القانون الدولي ومبادئ حرية التجارة البحرية وستظل مياه هرمز ساحة مفتوحة لصراع الإرادات حيث يدرك الجميع أن العبث بهذا الشريان هو لعب بالنار وأن الحفاظ على تدفق المياه والنفط فيه هو مصلحة عليا تتجاوز الخلافات الأيديولوجية لتبقى الملاحة فيه معلقة دائما بين تفاؤل الدبلوماسية وحذر الجيوسياسة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock