دين ومجتمع

سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله

بقلم / محمـــد الدكـــروري

 

اعلموا يا عباد الله أنه لمّا كانت النفوس مجبولة على حب الأعياد ومواسم الأفراح جعل الله تعالى في القلوب من التشوق إلى العيد والسرور به والإهتمام بأمره ما يجد فيه الناس من الإجتماع والراحة واللذة والسرور ما هو معلوم، وجعل أعيادنا أهل الإسلام بعد طاعات عظيمة، فيأتي عيد الفطر بعد فريضة الصيام، وعيد الأضحى بعد الحج، حتى بات العيد يوما معظما لدى عموم المسلمين فقد جاءت شريعة الإسلام بمشروعية عيدي الفطر والأضحى، وشرع الله تعالى فيهما من التوسعة وإظهار السرور ما تحتاجه النفوس، وهذا من رحمة الله تعالى بهذه الأُمة المحمدية، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، الإمام العادل” فالإمام العادل بين رعيته والرحيم بهم والمشفق عليهم ويعمل فيهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

 

يتعب نفسه ليرتاحوا ويسهر ليله ليهدأوا ويناموا، هو ممن يظلهم الله في ظل عرشه يوم القيامة ثم يقول صلى الله عليه وسلم ” وشاب نشأ في عبادة ربه” فالشباب المتعبدون لربهم المطيعون لمولاهم الذين نشأوا في عبادة الله وأفنوا أعمارهم في طاعته ورضاه، فاستحقوا أن يكونوا ممن يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله ويقول صلى الله عليه وسلم ” ورجل قلبه معلق بالمساجد” فهم رجال أحبوا المساجد وألفوها وتعلقت قلوبهم بها وانتظروا الصلاة بعد الصلاة، ففي المساجد راحتهم وبذكر الله والصلاة تطمئن قلوبهم وتحل مشاكلهم، لا تشغلهم تجارة مهما توسعت ولا مال مهما كثر، حيث قال الله تعالى في سورة النور” في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدوا والأصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار”

 

ثم يقول النبي صلى الله عليه وسلم ” ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه” فهم أناس تحابوا في الله وتزاوروا في الله وتجالسوا في الله وفي مسند الإمام أحمد عن النبي صلي الله عليه وسلم يرفعه إلي رب العزة سبحانه وتعالي قال ” حقت محبتي للمتحابين في وحقت محبتي للمتباذلين في وحقت محبتي للمتواصلين في” وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” إن الله يقول يوم القيامة أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي” ثم يقول النبي صلى الله عليه وسلم “ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله” فهذا رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، وقد توفرت له كل أسباب إجابتها لما دعته، وانتفت عنه كل موانع إجابة دعوتها ولم يعلم أحد سواهما بما دار بينهما إلا الله، فاستعصم بالله من إغوائها، وإغواء شهوة الشباب وسيطر على نفسه وشهوته ولم تسيطر عليه.

 

ولذا استحق وصف الرجولة واستحق ظل الله له يوم لا ظل إلا ظله، فإن من تأمل في اسم الله الرحمن وفهم معانيه ودلالاته تملكه العجب، وهو يقرأ قوله تعالى على لسان نبيه إبراهيم عليه السلام لأبيه وهو يتودد إليه، ويدعوه إلى النجاة كما جاء في سورة مريم ” يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا” وإن الأمر الذي دعا صاحبه للعجب هو أنه كيف يُعذب من سمى نفسه بالرحمن؟ والجواب أن من تأمل هذه الآية يدرك تماما أن من عذبه الرحمن فهو بلا ريب مستحق للعذاب، فكأنه لم يترك مجالا للرحمة أن تناله، ولا يهلك على الله إلا هالك، وفيه من الوعيد إذ إن العذاب من الرحمن ليس كالعذاب من غيره، فهو دليل على شدة الغضب، وعدم وجود الفرصة المتاحة للرحمة، أو للتغاضي، فكل من استوجب العذاب فقد سد أبواب الرحمة منه، فيا عباد الله إذا غابت الرحمة من المجتمع.

 

انقلب المجتمع إلى مجتمع غاب، يأكل القوي فيه الضعيف، وتُداس فيه الحقوق، والقضايا المتراكمة في المحاكم تشهد بذهاب خُلق الرحمة بين الناس، وإن من عدل الله تعالى أن العبد يختم له في الغالب على ما عاش عليه، فمن كان في حياته يشتغل بالذكر والقيام والصدقات والصيام ختم له بالصالحات، ومن تولى وأعرض عن الخير خشي عليه أن يموت على ما اعتاد عليه، ولأجل هذا الفرق العظيم كان الصالحون يستعدون للموت قبل نزوله، بل يغتنم أحدهم آخر الأنفاس واللحظات في التزود ورفع الدرجات، فتجده يجاهد ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويشتغل بالطاعات إلى آخر نفس يتنفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock