فن وثقافة
سيمون كما لم تُروَ من قبل.. رحلة عقل هادئ وروح منضبطة اختارت الاتزان طريقًا للحياة
الناقد الفني عمر ماهر

تفتح النجمة سيمون نافذة نادرة على عالمها الداخلي، عالم تشكّل مبكرًا على فكرة الاجتهاد والانضباط، لا بوصفه وسيلة للنجاح فقط، بل كأسلوب حياة متكامل، فحكايتها مع التفوق لم تبدأ من الأضواء ولا من الشهرة، بل من طفولة آمنت فيها أن الإنسان يُصنع من الداخل قبل أن يُرى من الخارج، وأن الجهد الصامت هو أقوى أشكال الحضور، وهو ما انعكس لاحقًا على اختياراتها الفنية والإنسانية، وعلى طريقة تفكيرها التي تجمع بين العقل والهدوء والوعي العميق بالذات.
منذ سنواتها الأولى، لم تكن سيمون طفلة عابرة في فصل دراسي، بل كانت مشروع شخصية تعرف ماذا تريد حتى قبل أن تملك الكلمات الكافية للتعبير عنه، اجتهاد في الدراسة، حرص على المعرفة، اهتمام بالتفاصيل الصغيرة مثل الخط الجميل والرسم والأشغال اليدوية، ممارسة الرياضة، والانخراط في كل ما يصقل العقل والجسد معًا، لم يكن التفوق لديها رفاهية أو منافسة مع الآخرين، بل كان التزامًا ذاتيًا بأن تكون النسخة الأفضل من نفسها، وأن تصل للأولى بمجهودها وشطارتها، لا بحظ ولا بصدفة، وهو ما جعل فكرة الاجتهاد تتحول من سلوك مؤقت إلى قناعة راسخة.
هذه النشأة المبكرة صنعت شخصية عقلانية بطبعها، شخصية تميل إلى التوازن لا التطرف، وإلى التفكير قبل الحكم، وإلى التمهل قبل اتخاذ القرار، فالعقل عند سيمون ليس أداة تحليل فقط، بل حارس للمشاعر، يمنعها من الانزلاق إلى الانفعال أو الوقوع في فخ ردود الأفعال السريعة، ولهذا كانت قراراتها دائمًا وليدة تفكير هادئ، قابل للمراجعة والتعديل، دون أن يمس جوهرها الأساسي أو ثوابتها الداخلية، في رحلة حياة لم تكن قصيرة، لكنها كانت كافية لتعلّم درس مهم: أن الثبات لا يعني الجمود، وأن المرونة لا تعني التنازل عن المبادئ.
ومع مرور الزمن، ومع تراكم التجارب، اكتشفت سيمون أن الحب والتقدير والقبول ليست مشاعر عاطفية تُمنح أو تُسحب بناءً على المزاج، بل مواقف تُقاس وتُفهم في سياقها العام، لا من زاوية شخصية ضيقة، فالأشخاص لا يُقيّمون بما يشعرون به تجاهنا، بل بما يفعلونه، وبكيفية حضورهم في اللحظات الفاصلة، ومن هنا تحوّل معيار الحكم لديها من الإحساس اللحظي إلى الرؤية الشاملة، ومن الانطباع السريع إلى القراءة المتأنية، وهو ما منحها سلامًا داخليًا نادرًا، لأنها لم تعد أسيرة توقعات الآخرين ولا رهينة ردود أفعالهم.
هذا الفهم العميق للحياة قادها إلى مرحلة أعلى من النضج، مرحلة لا تبحث فيها عن المكافآت ولا تنتظر التقديرات، ولا تقيس نجاحها بعدد التصفيق أو حجم الإشادة، بل تكتفي بأن تظل شخصية محبوبة باحترام، لأن الاحترام في نظرها قيمة عليا، لا تُشترى ولا تُفرض، بل تُكتسب عبر الزمن، عبر الثبات، وعبر الاتساق بين ما يُقال وما يُفعل، وهو الاكتفاء الذي لا يشبه الاستسلام، بل يشبه الرضا الواعي.
فلسفيًا، يمكن قراءة شخصية سيمون بوصفها نموذجًا للإنسان الذي تصالح مع ذاته، لا يبحث عن إثبات دائم، ولا يعيش في صراع مع العالم، بل يراقبه، يفهمه، ويتفاعل معه بقدر محسوب، فهي لا تنكر المشاعر، لكنها لا تسمح لها أن تقودها، ولا ترفض التغيير، لكنها لا تهدم الأساس، ولهذا تبدو أحكامها اليوم أكثر رسوخًا، لأنها مرت باختبار الزمن، لا باندفاع اللحظة.
روح سيمون، كما تكشفها كلماتها، روح تعرف قيمة الصمت بقدر قيمة الكلام، وتؤمن أن الاستقامة الداخلية أهم من أي ضوء خارجي، وأن الإنسان حين يكون عادلًا مع نفسه، يصبح أكثر عدلًا مع الآخرين، وحين يتحرر من انتظار المقابل، يصبح أكثر قدرة على العطاء، ولهذا لم يكن هدفها يومًا أن تكون الأكثر احتفاءً، بل أن تكون الأكثر اتساقًا، وهذا وحده، كما ترى، كافٍ لأن يمنح الحياة معناها الحقيقي.



