مقالات وآراء

سُنّة الاستبدال… حين تتخلى الأمة عن واجبها تُنزَع منها الريادة

بقلم / عماد القطاوي 

 

 

قال الله تعالى:

﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾

(سورة محمد: 38) .

 

ليست هذه الآية خطابًا عابرًا، بل إعلانًا إلهيًا حاسمًا بأن هذا الدين لا يتوقف على أمة، ولا يرتبط بجغرافيا، ولا يُحتكر باسم أو مذهب. من يحمل الأمانة يُمكَّن، ومن يتخلّى عنها يُستبدل، وتلك سنة لا تتبدل ولا تحابي أحدًا.

وفي زمننا هذا، تتكشف المواقف، وتُختبر الشعارات، ويظهر الفارق بين من يتكلم ومن يفعل.

غزة تنزف، وفلسطين تُستباح، ودماء المسلمين تُراق في أكثر من بقعة، بينما تقف كثير من الدول العربية والإسلامية موقف المتفرج أو العاجز أو المنشغل بحساباته الضيقة.

لقد تولّى كثيرون عن واجب النصرة، وانشغلوا بصراعات داخلية، أو تحالفات سياسية، أو أولويات بعيدة عن جوهر قضايا الأمة. ولم يعد السؤال: من يملك القدرة؟ بل: من يملك الإرادة؟

يقول النبي ﷺ:

“يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها…”

وهو واقع نراه اليوم، حيث تكاثرت القوى على الأمة، لا لقلة عددها، بل لضعف تأثيرها وتفرقها.

وفي المقابل، يظهر في المشهد من يقاتل، ومن يواجه، ومن يرفع راية المواجهة، رغم اختلاف الانتماءات والمذاهب. وهنا تتجلى حقيقة صادمة:

أن الفعل على الأرض قد يجتمع فيه من تفرّقوا في السياسة، ويغيب عنه من اجتمعوا في الخطاب.

إنها مفارقة قاسية…

أمة تملك الإمكانات، لكنها لا تستخدمها،

وأطراف أخرى تملك إرادة الفعل، فتتقدم إلى المشهد.

وهنا يفرض السؤال نفسه:

أفلا تكون هذه ملامح سُنّة الاستبدال؟

ليس المقصود الجزم بأن طرفًا بعينه هو “البديل”، فذلك من علم الله، ولكن المؤكد أن من يتحرك ويضحي ويدفع الثمن، يقترب من موضع الفاعلية، بينما من يتراجع ويفرّط، يبتعد عنه.

لقد سقطت عبر التاريخ دول، وقامت أخرى، لا لأنها أقوى عرقًا أو نسبًا، بل لأنها أدركت لحظة المسؤولية وتحركت فيها.

وسنة الله ماضية:

يرفع أقوامًا حين يصدقون، ويخفض آخرين حين يتخاذلون.

إن أخطر ما تواجهه الأمة اليوم ليس العدو الخارجي وحده، بل حالة التبلد، وفقدان البوصلة، والانفصال بين القول والعمل.

شعارات كثيرة، لكن أثرها ضعيف.

خطابات عالية، لكن نتائجها محدودة.

قال الله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾

فالاستبدال ليس عقوبة فقط، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من التراجع والتفريط.

وهو في الوقت ذاته فرصة… فرصة لمن يراجع نفسه، ويعود إلى دوره، ويستعيد مكانه قبل أن تُسحب منه الراية بالكامل.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي لا يمكن إنكارها:

أن هذا الدين لن يضيع،

لكن الذي قد يضيع هو شرف الانتساب الحقيقي إليه.

فإما أن نكون من أهل الفعل،

أو نُكتب في سجل من مرّوا من هنا… ثم استُبدل بهم غيرهم.

سُنّة الاستبدال… حين تتخلى الأمة عن واجبها تُنزَع منها الريادة

سُنّة الاستبدال… حين تتخلى الأمة عن واجبها تُنزَع منها الريادة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock