مقالات وآراء

حين تحترق المليارات… ويبرد قلب الإنسانية

احمد عزيز الدين احمد 

 

 

في زمنٍ تتسارع فيه الأزمات وتتزايد فيه معاناة الإنسان، تقف الحروب كأقسى تجليات العبث البشري، لا لأنها تقتل فقط، بل لأنها تُهدر ما كان يمكن أن يُحيي. الحديث عن تكلفة الحرب لا ينبغي أن يُختزل في أرقام تُسجَّل في دفاتر الاقتصاد، بل يجب أن يُقرأ بوصفه مرآة لفقدان البوصلة الأخلاقية للعالم.

تشير التقديرات إلى أن الولايات المتحدة وحدها أنفقت نحو 25 مليار دولار في هذه الحرب، وهو رقمٌ كافٍ لإعادة تشكيل مصير ملايين البشر. لكن هذا الرقم، على ضخامته، ليس إلا جزءًا من الصورة؛ إذ تتضاعف الخسائر حين نضع في الحسبان ما تكبدته الأطراف الأخرى، وما تحمّله العالم بأسره نتيجة اضطراب أسواق الطاقة، وضرب مصافي النفط، وتعطّل سلاسل الإمداد.

لقد أدى استهداف مصادر النفط في مناطق متعددة إلى شللٍ اقتصادي تجاوز حدود الدول المتحاربة، فأصاب الصناعات، وأربك الأسواق، ورفع تكاليف المعيشة على شعوب لا علاقة لها بالصراع. المصانع التي توقفت، والمؤسسات التي تعثرت، والوظائف التي فُقدت، كلها شواهد صامتة على أن الحروب لا تُخاض في ساحات القتال فقط، بل تمتد آثارها إلى موائد الفقراء في أقاصي الأرض.

غير أن المأساة الحقيقية لا تكمن في حجم الخسائر، بل في المقارنة المؤلمة: ماذا لو وُجِّهت هذه المليارات إلى الفقراء والمشردين؟ كم من جائع كان يمكن أن يُطعَم، وكم من مريض كان يمكن أن يُداوى، وكم من طفل كان يمكن أن يُنقذ من براثن الجهل والتشرد؟ إن السؤال هنا ليس اقتصاديًا بقدر ما هو إنساني، يضعنا أمام حقيقة مُرّة: العالم يملك القدرة على الإنقاذ، لكنه يختار أحيانًا طريق الدمار.

إن الحروب، مهما تعددت مبرراتها، تظل نزيفًا مفتوحًا في جسد الإنسانية، تُهدر فيه الموارد، وتُبدَّد فيه الفرص، وتُزرع فيه بذور أزماتٍ جديدة. وفي المقابل، يظل الأمل معقودًا على وعيٍ عالمي يدرك أن بناء الإنسان أولى من هدمه، وأن استثمار الحياة أجدى من تمويل الموت.

في نهاية، ليست المليارات التي تُحرق هي الخسارة الكبرى، بل تلك الفرص التي لم تُمنح، والأرواح التي كان يمكن أن تعيش حياةً أفضل… لو أن العالم اختار الرحمة بدلًا من الحرب.

حين تحترق المليارات… ويبرد قلب الإنسانية

حين تحترق المليارات… ويبرد قلب الإنسانية

 

قلم / احمد عزيز الدين احمد

كاتب

وروائي وشاعر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock