مقالات وآراء

صدمة قلم

بقلم محمد سعيد الحداد 

 

 

هل تحولت الصحافة إلى “صدى صوت” للمنصات الرسمية؟

 

إلى كافة الزملاء والشركاء في الحقل الصحفي

من رؤساء التحرير ومديري الديسكات الإخبارية

إلى كل محرر ومراسل ومثقف يحمل أمانة الكلمة

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أكتب إليكم اليوم لا لأرصد حدثاً بل لأدق ناقوس خطر يهدد هوية مهنتنا وعمق رسالتنا

 

إن ما نشهده مؤخراً من تحول غرف الأخبار والديسكات الصحفية إلى مجرد مراكز إعادة تدوير هو أمر يستدعي وقفة حازمة مع الذات الصحفية

 

لقد أصبح المشهد السائد هو الهرولة خلف الصفحات الرسمية للوزارات والمحافظات

 

ننسخ بياناتها.. ننقل تصريحاتها حرفياً.. ثم نرسلها إلى ديسك الجرائد لنشره دون زيادة أو نقصان

 

وإن الاستمرار في هذا النهج المعتمد على النقل الأعمى يحمل في طياته خطورة بالغة

 

إذ يضعنا في موقف التابعين والناقلين الصم لأخبار تلك المنصات الوزارية وصفحات المحافظات وغيرهما

 

وكأننا تحولنا إلى مجرد منصات فرعية تابعة لإدارات العلاقات العامة لديهم

 

وهذا أبعد ما يكون عن رسالة الصحافة المستقلة

وهنا أطرح السؤال الجوهري الذي يجب أن يؤرق مضاجعنا جميعاً

ما فائدة كل هذا؟

 

إن القارئ اليوم لم يعد ذلك المستهلك المعزول بل أصبح متابعاً جيداً وذكياً وشديد القرب من كل هذه الصفحات الرسمية

 

يقرأ البيان الوزاري في نفس اللحظة التي نراه فيها نحن

 

فإذا كنا سنكتفي بدور الناقل المقنع فما القيمة المضافة التي نقدمها؟

وأين هي هويتنا الصحفية؟

 

إن الصحافة الحقيقية ليست بوقاً يردد الصدى بل هي عين تبصر وعقل يحلل

 

القارئ لا يشتري الصحيفة أو يتابع الموقع ليقرأ بياناً رسمياً مجرداً بل يبحث عن ما وراء البيان ويبحث عن الأثر وعن كواليس القرار وعن الأرقام والخطط الإستراتيجية وتحليلها المهني

 

لذا ولأننا نريد صحافة حية تعكس وعينا المهني وتليق بعقلية القارئ

 

لماذا لا نكون نحن من يصنع الحدث الصحفي ويقود الرأي العام؟

 

لماذا لا يقام في غرف أخبارنا مطبخ صحفي حقيقي يستقبل هذه البيانات كمادة خام ثم يقوم الكاتب والمحلل والمختص بتفكيكها وتحليلها وإعادة نشرها بالطريقة المهنية التي تضيف للقارئ عمقاً ومعرفة؟

 

لماذا لا نتحول من سياسة نقل الخبر إلى صناعة القصة الصحفية؟

 

عندما تصدر الوزارة أو المحافظة بياناً لا ينتهي دور المراسل والمحرر بل يبدأ

 

علينا أن نأخذ هذا البيان كخيط أول لننسج منه تحقيقاً ميدانياً.. أو تقريراً تحليلياً يمس حياة المواطن بشكل مباشر..

 

لماذا لا نُفَعِّل أدوات الصحافة التفسيرية والاستقصائية؟

بدل النقل الحرفي

 

نطرح الأسئلة الصعبة

كيف سيؤثر هذا القرار على الشارع؟

ما هي أبعاده الاقتصادية والاجتماعية؟

ما هي الجداول الزمنية الحقيقية للتنفيذ؟

 

نأخذ تصريحات المسؤول ونقابلها بآراء الخبراء المتخصصين وبنبض المواطن في الميدان

 

لماذا لا نصنع الفارق بالانفرادات والتقارير الخاصة؟

 

التميز لا يأتي من البيانات المشاعة للجميع بل من النزول إلى الأرض

 

من رصد المشكلات قبل أن تتحول إلى بيانات رسمية

 

ومن تقديم الحلول والمقترحات للجهات التنفيذية

 

هكذا نكون نحن من يقود المشهد الإخباري وليس العكس

 

وحتى يتضح المقصد وتتحول الرؤية إلى منهج عملي

 

إليكم هذا المثال التطبيقي لكيفية تحويل البيان الرسمي إلى مادة صحفية مهنية

 

أولاً شكل الخبر كما تنشره الصفحات الرسمية

(النسخ التقليدي)

أعلنت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة بالتعاون مع محافظة الغربية عن البدء في تنفيذ خطة لإحلال وتجديد شبكات المحولات الكهربائية في عدد من المراكز والقرى بالمديرية لرفع كفاءة الشبكة القومية وتخفيف الأحمال خلال فصل الصيف المقبل

 

ثانياً شكل الخبر بعد معالجته برؤيتنا المهنية والتحليلية

(قلم الوعي الصحفي)

 

محولات الغربية تحت المجهر خطة الإحلال الوزارية بين الوعود الرسمية وتحديات الصيف في القرى

 

كتب/ المحرر والمحلل المختص

 

فتحت التصريحات الأخيرة لوزارة الكهرباء ومحافظة الغربية بشأن خطة إحلال المحولات الباب على مصراعيه لأسئلة جوهرية تشغل الشارع بخصوص أزمة انقطاع التيار ورغم أن البيان الرسمي ركز على الجانب الإيجابي للخطة إلا أن القراءة المهنية لواقع الشبكة تكشف عن أبعاد أخرى غابت عن المنصات الرسمية

 

تفكيك الأرقام والجداول الزمنية

وفقاً لمصادرنا الفنية داخل قطاع كهرباء الغربية فإن الخطة تستهدف قرابة 40 قرية تعاني من تهالك المحولات القديمة

 

إلا أن التحدي الحقيقي الذي يواجه هذا المشروع هو عامل الوقت

 

فالبدء في التنفيذ مع أعتاب فصل الصيف يضع الشركات المنفذة تحت ضغط زمني كبير

 

مما قد يتسبب في انقطاعات مؤقتة مبرمجة خلال فترة التركيب وهو ما يجب أن ينتبه إليه المواطن

 

الأثر الاقتصادي والاجتماعي على المواطن

التحليل المهني لهذه الخطوة يشير إلى أن إحلال المحولات سيساهم على المدى الطويل في استقرار الجهد الكهربائي وتقليل أعطال الأجهزة المنزلية في المناطق الريفية

 

لكن على الجانب الآخر يطرح مختصون تساؤلات حول مدى استيعاب هذه المحولات الجديدة للتوسعات العمرانية العشوائية والمنشآت غير القانونية التي تعمل بنظام الممارسة أو العداد الكودي

والتي تشكل عبئاً خفياً على الشبكة لم يذكره البيان الرسمي

 

نبض الشارع ورأي الخبراء

في جولة ميدانية لرصد آراء المواطنين في القرى المستهدفة

 

عبر الأهالي عن مخاوفهم من أن تكون هذه الخطوة مجرد مسكنات مؤقتة

 

بينما يرى خبراء الطاقة أن الحل الجذري لا يقتصر على تغيير المحولات بل يتطلب تحديث شبكة التوزيع الهوائية بالكامل وتحويلها إلى كابلات أرضية لمنع الفقد الكهربائي وحماية الأرواح

 

إن تفعيل هذه الرؤية المهنية هو السبيل الوحيد لإعادة الاعتبار لقيمة الحبر الذي نكتب به

 

وهو ما سيعود بالنهاية للقارئ بفائدة حقيقية تجعله يدرك أن الصحافة لا تزال هي السلطة الرابعة التي تفسر له الواقع وتحمي حقه في المعرفة

 

وليس مجرد أداة لإعادة نشر ما هو متاح للجميع

هكذا نتحول من ناقلين ومرددين للبيانات إلى صناع محتوى حقيقي يملك زمام المبادرة

 

نأخذ الخبر الرسمي فنحلله

ونقاطعه مع الواقع الميداني

ونستشرف منه المستقبل لنقدم للقارئ الفائدة المستحقة التي يبحث عنها

 

دعونا نعيد لغرف الأخبار حيويتها وصدمتها المهنية ولتكن أقلامنا دائماً هي صوت الوعي والحقيقة

 

مع خالص تقديري واحترامي لجهودكم جميعاً

زميلكم صاحب قلم حر

محمد سعيد الحداد

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock