مقالات وآراء
ضحايا الجوع والضغط النفسي .. بينما يعيش آخرون في الرفاهية وكأن شيئًا لم يحدث

لم يعد ما يعيشه كثير من الصحفيين والعاملين مجرد أزمة عابرة يمكن تجاوزها ببعض الوعود أو الكلمات المؤجلة، ولم تعد الحكاية مجرد تأخير حقوق أو اضطراب مؤقت في العمل، بل تحولت الأيام إلى كابوس ثقيل ينهش أرواح بشر أفنوا أعمارهم في المهنة، وأعطوا صحتهم وأعصابهم وسنوات عمرهم في سبيل أماكن آمنوا بها واعتبروها يومًا بيتهم الحقيقي، فإذا بهم اليوم يواجهون واحدة من أقسى اللحظات النفسية والإنسانية في حياتهم، بينما في الجهة الأخرى هناك من يعيشون في رفاهية كاملة، يتحركون بين مشاريعهم وأعمالهم وحياتهم المستقرة وكأن خلفهم لا توجد أرواح تنكسر ولا بيوت تنهار ولا بشر وصلت إلى آخر حدود الاحتمال.
«ضحايا الجوع والضغط النفسي» لم تعد مجرد جملة تُكتب في عنوان، بل أصبحت واقعًا حقيقيًا يعيشه أناس يستيقظون كل صباح وهم لا يعرفون كيف سيمر اليوم، ولا كيف سيدبرون احتياجات أسرهم أو يواجهون قسوة الحياة التي أصبحت لا ترحم أحدًا.
هناك آباء يعودون إلى بيوتهم محطمين لأنهم عاجزون عن توفير أبسط احتياجات أطفالهم، وهناك أمهات يحملن فوق أكتافهن همّ الحياة كاملًا ويحاولن التماسك حتى لا تنهار البيوت فوق رؤوس الجميع، وهناك شباب ضاعت أعمارهم بين التعب والسهر والركض خلف لقمة العيش والأمل، على أمل أن يأتي يوم يشعرون فيه بالأمان والاستقرار، لكنهم وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة المجهول وحدهم.
.
الحياة أصبحت أقسى من قدرة البشر على التحمل، والأسعار ترتفع كل يوم، والالتزامات لا تتوقف، والناس بالكاد تستطيع الاستمرار، فكيف بمن يعيشون منذ شهور طويلة داخل دائرة مغلقة من الخوف والقلق وعدم وضوح المصير؟ كيف لإنسان أن ينام وهو لا يعرف كيف سيواجه الغد؟
كيف يطمئن أب على أطفاله وهو يشعر أن الأرض تضيق به يومًا بعد يوم؟ وكيف تستمر أم في مقاومة الحياة بينما قلبها ممتلئ بالخوف من الانكسار القادم؟
المأساة الحقيقية ليست فقط في ضيق الحال أو تأخر الحقوق، بل في ذلك الشعور القاسي بأن هناك من لا يشعر أصلًا بما يحدث، وكأن المنهكين الذين يعيشون هذا الجحيم مجرد أرقام هامشية لا بشر لديهم أعصاب وقلوب وأحلام.
بينما هناك من يعيشون حياتهم بشكل طبيعي جدًا، يسافرون ويتحدثون عن مشاريعهم العملاقة واستثماراتهم واستقرارهم، وكأن شيئًا لم يكن، وكأن خلف كل هذا الصمت لا توجد أسر تخاف من الجوع، ولا شباب ينهارون نفسيًا، ولا أمهات يبكين في صمت كل ليلة خوفًا من القادم.
أين الإدارة من كل هذا؟ أين الإحساس بالبشر؟ أين الشعور بحجم الانهيار النفسي الذي وصل إليه كثيرون؟ كيف يمكن أن تستمر الحياة بشكل طبيعي عند البعض بينما هناك من لم يعودوا يعرفون كيف يكملون يومهم؟ كيف يمكن أن يرى أحد هذا الكم من القهر ثم يواصل حياته وكأن شيئًا لا يعنيه؟
وكيف لإنسان يعيش في رفاهية كاملة أن يغمض عينيه عن بشر أفنوا أعمارهم في العمل ثم تُركوا يواجهون الحياة وحدهم؟
هناك من أصبحوا اليوم في حالة نفسية صعبة للغاية، أشخاص فقدوا القدرة على النوم، وآخرون أصبحوا يخافون من صوت الهاتف بسبب الديون والمطالب والالتزامات التي تطاردهم من كل اتجاه، وهناك من باتوا يشعرون بالخجل أمام أسرهم لأنهم عاجزون عن توفير احتياجات بسيطة كانت يومًا أمرًا عاديًا.
البعض اضطر إلى الاستدانة، والبعض باع أشياء من بيته حتى يستطيع الاستمرار، وآخرون يعيشون كل يوم وهم يحاولون إخفاء انكسارهم حتى لا يسقط ما تبقى من صورة القوة أمام أبنائهم وأهلهم.
والأوجع من كل ذلك، حال الزملاء الذين ضاعت سنوات عمرهم كاملة داخل العمل دون أي استقرار حقيقي.
هناك من قضوا خمس سنوات، وآخرون سبع وعشر سنوات وأكثر، يعملون ليل نهار، يسهرون ويتعبون ويجرون وراء العمل بكل إخلاص، على أمل أن يأتي اليوم الذي يشعرون فيه أن تعبهم محفوظ وأن لهم مكانًا ومستقبلًا واضحًا، لكن السنوات مرت، والأعصاب استُنزفت، والأحلام تحولت إلى خوف دائم من الضياع.
هؤلاء ليسوا أرقامًا تُنسى، بل بشر لهم أرشيف يشهد على تعبهم، وزملاء يشهدون على مجهودهم، وسنوات طويلة من الكفاح والعمل الحقيقي. ومع ذلك، يعيش كثير منهم اليوم وكأنهم غير مرئيين، لا يسمعون إلا الصمت، ولا يجدون سوى الغموض والانتظار والخوف من القادم.
المؤلم أكثر أن البعض يتعامل مع ما يحدث وكأنه مجرد أزمة عادية ستنتهي مع الوقت، بينما الحقيقة أن هناك أرواحًا تُستهلك يوميًا. الإنسان حين يفقد الأمان يبدأ كل شيء داخله في الانهيار تدريجيًا، وحين يشعر أن صوته لا يصل إلى أحد يصبح الألم أضعافًا مضاعفة.
كثيرون اليوم لم يعودوا يخافون فقط من ضيق الحياة، بل من أن تضيع أعمارهم كلها دون أي نهاية عادلة، ومن أن يتحول تعبهم الطويل إلى مجرد ذكرى موجعة لا قيمة لها.
ووسط كل هذا الصمت، يبقى السؤال الأكثر وجعًا حاضرًا بقوة: كيف ينام من يملك القرار مرتاحًا بينما هناك بشر يعيشون تحت هذا الكم من الضغط والخوف؟ كيف يشعر البعض بالرفاهية والاستقرار وهناك من لا يعرفون كيف سيدفعون إيجار بيوتهم أو يوفرون طعام أطفالهم؟ كيف يمكن أن يرى إنسان كل هذا الانهيار ثم لا يتحرك داخله شيء؟
ورغم كل هذا الألم، لا يزال كثير من المنهكين يحاولون التمسك بما تبقى من كرامتهم وأملهم الأخير، لأن الإنسان بطبيعته يقاوم حتى اللحظة الأخيرة، لكن لكل روح طاقة، ولكل قلب قدرة على الاحتمال، وحين يصل البشر إلى مرحلة الانكسار الكامل يصبح الصمت جريمة أخرى فوق كل ما يعيشونه.
و، لم يعد لدى كثيرين سوى الدعاء، لأن القلوب التي امتلأت بالخذلان لم تعد تملك سوى أن تقول: حسبي الله ونعم الوكيل في كل من رأى هذا الوجع واختار ألا يشعر، وفي كل من عاش في رفاهية كاملة بينما هناك بشر يواجهون الانهيار وحدهم، وفي كل من ظن أن الناس يمكنها أن تتحمل إلى ما لا نهاية دون أن تنكسر أرواحها يومًا ما.



