ما قاله ترامب قبل قليل لم يكن تصريحا عابرا ولا زلة لسان بل رسالة محسوبة بعناية تشبه إشارة البدء لمرحلة جديدة من حرب العملات على مستوى العالم
الدولار الذى ظل لعقود عمود الاستقرار في النظام المالى العالمى يتعرض اليوم لضغوط غير مسبوقة بعدما سجل خلال عام 2025 تراجعا يقترب من عشرة فى المئة فى أسوأ أداء سنوي له منذ عام 2017
الأرقام وحدها كانت كافية لإثارة القلق لكن الصدمة الحقيقية لم تكن فى البيانات الاقتصادية بل في موقف الرئيس الأمريكي نفسه من أزمة الدولار
حين سأله أحد الصحفيين عما إذا كان انخفاض قيمة الدولار مبالغا فيه جاء رد ترامب صادما للتقاليد الأمريكية لا قيمة الدولار رائعة انظروا إلى الأعمال التي نقوم بها
في تلك اللحظة التقطت الأسواق الرسالة من دون انتظار توضيحات أو بيانات وخلال ثوان قليلة هبط الدولار بنسبة إضافية ليصل إلى أدنى مستوى له منذ فبراير 2022 مدفوعا بتصريحات الرئيس وقبوله العلني بانخفاض قيمة العملة
ترامب لا يخشى تراجع الدولار بل يراه هدفا يخدم استراتيجيته فالعملة الأضعف تعني فائدة أقل وصادرات أمريكية أقوى وفى الوقت نفسه تضغط على الصين وأوروبا وفق منطق إفقار الآخر من أجل إنعاش الداخل
هذا التحول السياسى فى إدارة العملة لم يعد شأنا فنيا يخص البنوك المركزية بل أصبح قرارا سياسيا ينعكس مباشرة على حياة المواطنين والمستثمرين فالنقد لم يعد ملاذا آمنا والاحتفاظ بالسيولة بات عبئا مع تآكل القوة الشرائية
وللهروب من هذا المشهد لا يبدو أن هناك خيارات كثيرة فالملاذ الحقيقي أصبح في امتلاك الأصول مثل الأسهم والذهب والعقار باعتبارها خطوط الدفاع الأخيرة أمام موجات انخفاض قيمة السيولة القادمة
فى المقابل فإن تراجع الدولار سيخفض تكلفة المنتجات الأمريكية ويمنحها ميزة تنافسية أمام السلع الأوروبية والصينية ما يفتح الباب أمام طفرة تصديرية محتملة تعيد الصناعة الأمريكية إلى الواجهة
ويبقى السؤال الكبير هل نحن أمام بداية انتعاش صناعي أمريكي أم على أعتاب جحيم تضخمي سيدفع ثمنه المستهلكون فى الداخل قبل الخارج