مقالات وآراء

المقايضة مقابل الإملاءات: لماذا فشلت مفاوضات إيران وترامب؟

بقلم -عمرو بسيوني

في قلب الجمود الذي يخيم على المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، تقف استراتيجيتان متناقضتان تماماً. تعتمد طهران على مبدأ “المقايضة” (شيء مقابل شيء)، وهو نهج تقليدي في الدبلوماسية يعترف بأن لكل طرف أوراق ضغط وحاجات. في المقابل، تميل الإدارة الأميركية، خاصة في ظل عودة دونالد ترامب المحتملة، إلى فرض الإملاءات؛ أي شروط تأتي بنظام “خذ أو اترك”.

 

هذا الاختلاف الجوهري هو ما دفع الإيرانيين إلى الاقتناع بأن الوصول إلى اتفاق بات بعيد المنال. فطالما أن الجانب الأميركي يفرض شروطه دون تقديم تنازلات مقابلة، فإن طاولة التفاوض تتحول إلى ساحة لإعلان الهزيمة على الطرف الآخر، لا إلى مساحة لحل الأزمات.

 

: إرادة سياسية غائبة

 

جزء كبير من المشكلة يكمن في الشخصية التفاوضية لترامب نفسه. يصفه المراقبون بأنه يفتقر إلى “إرادة سياسية” حقيقية لفهم تعقيدات الملف النووي أو الشرق الأوسط. كل ما يهمه، وفقاً لسلوكه السابق والحالي، هو الظهور الإعلامي، وإطلاق التصريحات النارية التي تصلح مادة دسمة لوسائل الإعلام، لكن الجميع يرفض أسلوبه هذا، حتى الصحفيون أنفسهم الذين يجدون صعوبة في تغطية سياسة لا تستند إلى استراتيجية واضحة.

 

معضلة اليورانيوم: هزيمة مقروءة للجميع

 

القضية الجوهرية التي تعطل أي تسوية هي برنامج تخصيب اليورانيوم. هنا يكمن المأزق الحقيقي:

 

· بالنسبة لإيران: التخلي عن قدراتها النووية ليس مجرد تنازل تقني، بل هو “هزيمة مقروءة” على المستوى الاستراتيجي والداخلي. فبرنامجها النووي أصبح رمزاً للسيادة الوطنية والقوة التفاوضية، والتخلي عنه يعني انهيار المعادلة التي بنت عليها نظامها السياسي لعقود.

· بالنسبة لأمريكا وترامب: في المقابل، إذا لم تتخل إيران عن البرنامج، فذلك يمثل هزيمة كبرى لترامب وأمريكا أمام الشعب الأميركي والمجتمع العالمي. فهو لم يحقق أهداف الحرب التي صعد إليها، ولم ينجح في كسر الإرادة الإيرانية.

 

إذن، نحن أمام لعبة محصلتها صفر: إما أن تخسر إيران، وإما أن تخسر أمريكا. هذا هو الجمود بعينه.

 

سردية النصر المسبق: حل وهمي

 

لمواجهة هذا المأزق، يسعى كل طرف إلى بناء “سردية نصر مسبق”، أي صياغة أي اتفاق محتمل بطريقة تجعله يبدو نصراً لجمهوره الداخلي، حتى لو كان جوهره تسوية. لكن هذه السرديات تتصادم مع حقائق ميدانية لا يمكن تغييرها بالخطاب الإعلامي.

 

لمن الغلبة؟ إيران تملك المفاتيح

 

للإجابة على سؤال “لمن الغلبة”، يكفي النظر إلى مسار الحرب غير المعلنة. بدأت أمريكا وأدواتها الإقليمية بهدف واضح هو “تغيير النظام” في إيران. لكن بعد ثلاثة أسابيع فقط من المواجهة، تقلص الهدف ليتحول إلى مجرد “فتح مضيق هرمز” أمام الملاحة.

 

هذا التحول الجذري في الأهداف يفضح ضعف الاستراتيجية الأميركية. فكيف يمكن الحديث عن تحقيق نصر، أو حتى عن “فتح مضيق”، بينما إيران لا تزال تمتلك مفاتيح هذا المضيق بشكل كامل، بفضل موقعها الجغرافي، وقدراتها العسكرية غير المتماثلة، ونفوذها الإقليمي؟

 

ما لم تتبن واشنطن استراتيجية المقايضة الحقيقية بدل الإملاءات، وما لم يظهر طرف ثالث (أو إرادة سياسية جديدة) قادر على كسر سقف السرديات المتصلبة، فإن المنطقة مقبلة على المزيد من التصعيد. طهران تعرف أنها تملك أوراقاً قوية (المضيق، الوكلاء، البرنامج النووي)، وواشنطن تعرف أنها لا تستطيع تحقيق أهدافها الكبرى بعيداً عن طاولة المفاوضات الحقيقية. السؤال الوحيد المتب

قي: من سيدفع ثمن الوقت الضائع؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock