مقالات وآراء

قضاء بلا منصة المجالس العرفية.. عدالة المجتمع قبل أن تصل إليه القوانين

بقلم: طارق فتحي السعدني

في زمن تتزايد فيه النزاعات وتتسع فيه دوائر الخلافات الاجتماعية،

يظل هناك كيان وطني أصيل استطاع عبر مئات السنين أن يحافظ على السلم المجتمعي ويطفئ نيران الفتن ويعيد الحقوق إلى أصحابها دون ضجيج أو تعقيدات إجرائية،

إنه المجلس العرفي ذلك القضاء الشعبي الذي لا يجلس على منصة رسمية لكنه يجلس في قلوب الناس ويحظى بثقتهم واحترامهم.

إن المجالس العرفية ليست ظاهرة طارئة على المجتمع المصري أو العربي بل هي امتداد حضاري وإنساني ضارب بجذوره في أعماق التاريخ.

فقد عرف العرب قبل الإسلام مجالس الصلح والتحكيم بين القبائل والعشائر،

ثم جاء الإسلام ليؤكد قيمة الإصلاح بين الناس ويجعلها من أعظم القربات إلى الله.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم خير مثال للحكم العادل والمصلح بين المتخاصمين،

كما سار الصحابة الكرام على النهج ذاته فكانوا يسعون إلى الصلح وحقن الدماء وجمع الكلمة قبل اللجوء إلى الخصومات والصراعات.

ولعل أعظم ما يميز المجالس العرفية أنها لا تقتصر على الفصل في النزاعات،

بل تعمل على ترميم العلاقات الإنسانية التي قد تهدمها الخصومات.

فالقضاء يحكم في القضية أما المجلس العرفي فيسعى إلى إنهاء آثارها الاجتماعية والنفسية ويعيد جسور الود بين الأسر والعائلات والقبائل،

وهو ما يجعل أحكامه مقبولة لدى الأطراف لأنها تصدر غالبا عن شخصيات تحظى بالاحترام والثقة والخبرة المجتمعية.

لقد لعبت المجالس العرفية دورا محوريا في تحقيق الاستقرار داخل القرى والنجوع والمناطق القبلية،

وأسهمت في حل آلاف القضايا المتعلقة بالمشاجرات والثأر والخلافات الأسرية والنزاعات المدنية والمجتمعية،

قبل أن تتحول إلى أزمات معقدة قد تستنزف وقت وجهد مؤسسات الدولة.

ومن الإنصاف القول إن المجالس العرفية تمثل شريكا مجتمعيا مهما لأجهزة الدولة،

فهي تخفف العبء عن المحاكم وأقسام الشرطة والنيابات العامة وتسهم في احتواء النزاعات في مراحلها الأولى،

مما يوفر الوقت والجهد والموارد ويعزز الاستقرار والأمن المجتمعي.

وعلى المستوى المحلي تمثل المجالس العرفية أحد أهم أدوات الحفاظ على النسيج الوطني والتماسك الاجتماعي خاصة في المجتمعات الريفية والقبلية التي تقوم علاقاتها على قيم الترابط والتكافل والاحترام المتبادل.

أما على المستوى الدولي فإن فكرة الوساطة المجتمعية والعدالة التصالحية أصبحت اليوم من أبرز الآليات التي تعتمدها العديد من الدول والمنظمات الدولية في حل النزاعات وتعزيز السلم الأهلي، وهو ما يؤكد أن المجالس العرفية ليست بقايا من الماضي كما يظن البعض بل تتوافق مع أحدث المفاهيم العالمية في إدارة النزاعات وتسوية الخلافات.

ومع الاعتراف بأهمية القضاء الرسمي باعتباره الضامن الأول للحقوق والحريات وسيادة القانون،

فإن وجود المجالس العرفية لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره منافسا لمؤسسات الدولة بل باعتباره مكملا لها وداعما لدورها في تحقيق الاستقرار المجتمعي.

ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى رؤية جديدة تتعامل مع المجالس العرفية باعتبارها ثروة وطنية واجتماعية يجب الحفاظ عليها وتطويرها لا إلغاؤها أو تهميشها. فالمطلوب اليوم ليس إنهاء دور هذه المجالس وإنما تقنينها ووضع إطار قانوني وتنظيمي واضح لعملها يحدد اختصاصاتها وضوابطها وآلياتها ويضمن توافق قراراتها مع الدستور والقانون وحقوق الإنسان.

إن تقنين المجالس العرفية من شأنه أن يحقق العديد من المكاسب أبرزها تعزيز العدالة التصالحية وتقليل أعداد القضايا المنظورة أمام المحاكم ودعم جهود الدولة في تحقيق الأمن المجتمعي والحفاظ على الموروث الوطني الذي أثبت نجاحه عبر عقود طويلة.

لقد أثبتت التجارب أن المجالس العرفية كانت وما زالت صمام أمان للمجتمع في أوقات كثيرة،

وأنها نجحت في إطفاء حرائق كادت أن تمتد آثارها إلى أجيال كاملة.

ولذلك فإن الواجب الوطني يقتضي تطوير هذا الكيان العريق والاستفادة من خبراته المتراكمة، ليظل شريكا فاعلا في بناء مجتمع أكثر استقرارا وتماسكا.

فالمجالس العرفية ليست قضاء بلا قيمة لأنها بلا منصة،

بل هي ق

ضاء بلا منصة ومنصة في قلوب الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock