
ذكرت المصادر التاريخية الكثير عن الإمام أبي حنيفة النعمان وعن مدرسة الإمام أبى حنيفة النعمان الفقهية النموزجية، ولقد نشأ الإمام الفقية أبو حنيفة النعمان بالكوفة وتربى بها، وعاش أكثر حياته فيها، انضم الى حلقات العلم في سن مبكر وكانت حلقات العلم في ذلك العصر ثلاثة أنواع، حلقات للمذاكرة في أصول العقائد، وهذا ما كان يخوض فيه أهل الفرق المختلفة، وحلقات لمذاكرة الأحاديث النبوية وروايتها، وحلقات لاستنباط الفقه من الكتاب والسنة، وقد ذكرت المصادر عدة روايات عن أبي حنيفة تدل على أنه عندما تفرغ لطلب العلم اتجه إلى الفقه بعد أن استعرض العلوم المعروفة في ذلك العصر، واختار أولا علم الكلام والجدل مع الفرق، ثم انصرف عنه إلى الفقه.
ثم حفظ القرآن على قراءة عاصم، وعرف قدرا من الحديث، وقدرا من النحو والأدب والشعر، وجادل الفرق المختلفة في مسائل الاعتقاد وما يتصل به، وكان يرحل لهذه المناقشة إلى البصرة، وكان يمكث بها أحيانا سنة لذلك الجدل، ثم انصرف بعد ذلك إلى الفقه، واتجه إلى دراسة الفتيا على المشايخ الكبار الذين كانوا في عصره، ولزم واحدا منهم، أخذ عنه وتخرج عليه، ثم لزم أبو حنيفة الشيخ حماد بن أبي سليمان، وتخرج عليه في الفقه، واستقر معه إلى أن مات، وكان أبو حنيفة في الأربعين من عمره ليستقل بالدرس والبحث، وتولى حلقته بعد ذلك، وكان مع ملازمته لشيخه حماد قد لاقى غيره من الفقهاء والمحدثين، وقد ولد الإمام أبو حنيفة ثابت بن النعمان بن زوطى بن ماه.
بالكوفة سنة ثمانين من الهجرة النبوية، الموافقة لسنة ستمائة وتسع وتسعون من الميلاد، وجلس أبو حنيفة وهو في الأربعين من عمره في مجلس شيخه حماد بمسجد الكوفة، وأخذ يدارس تلاميذه ما يعرض له من فتاوى، وما يبلغه من أقضية، ويقيس الأشياء بأشباهها، والأمثال بأمثالها، حتى وضع تلك الطريقة الفقهية التي اشتق منها المذهب الحنفي، وإن المذهب الحنفي هو أوسع المذاهب انتشارا، وأكثرها أتباعا، وبناء على ذلك فقد كثرت مصنفاته ما بين متون ومختصرات، وشروح ومطولات، وحواش وتعليقات، وفتاوى ومنظومات، غير أن بعض هذه المصنفات طار ذكرها، وانتشر خبرها، وسار الركبان بها، وتلقاها علماء المذهب بالقبول، واعتمدوها أكثر من غيرها.
إذ هي معنية بنقل الصحيح والراجح من المذهب، ومعلوم أن المحققين من متأخري الحنفية كابن عابدين، وعبد الحي اللكنوي قسموا الكتب المصنفة في المذهب إلى كتب معتمدة في نقل المذهب، وكتب غير معتمدة، ولا يجوز الإفتاء منها، وقد ذكروا في أسباب عدم اعتمادها كونها تجمع الأقوال الضعيفة والمسائل الشاذة، وإن كان مؤلفوها من كبار الفقهاء كما هو الحال في كتاب القنية للزاهدي والسراج الوهاج شرح مختصر القدوري لأبي بكر الحدادي والدر المختار لعلاء الدين الحصكفي أو لكونها لم يُطلع على حال مؤلفيها هل كانوا فقهاء معتمدين، أم كانوا جامعين بين الغث والسمين كما هو الحال بالنسبة لشمس الدين القهستاني صاحب شرح النقاية المسمّى بجامع الرموز، وكما هو الحال بالنسبة لمنلا مسكين صاحب شرح كنز الدقائق، وقد يكون عدم اعتمادها راجعا إلى إعراض أجلة العلماء وأئمة الفقهاء عنها، فإن هذا يعدّ علامة واضحة على عدم اعتبار
ها عندهم.



