دين ومجتمع

ابن خلدون وقصة القرامطة

بقلم / محمـــد الدكـــروري

لقد كانت هناك قصة غريبة للقرامطة خلدتها المصادر التاريخية وهي قصة سرقة الحجر الأسود من الكعبة، ولقد ذكر العالم العربي الإسلامي ابن خلدون في كتاب “العبر وديوان المبتدأ والخبر” وفي سنة ثلاثة مائة سبع عشرة هجم على مكة، وقتل كثيرا من الحجاج ومن أهلها، ونهب أموالهم جميعا، وقلع باب البيت والميزاب، وقسم كسوة البيت في أصحابه، واقتلع الحجر الأسود وانصرف به، وأراد أن يجعل الحج عنده، وكتب إليه عبيدالله المهدي من القيروان يوبخه على ذلك ويتهدده، فكتب إليه بالعجز عن رده من الناس، ووعد برد الحجر، فرده سنة ثلاثة مائة تسع وثلاثين، بعد أن خاطبه منصور بن إسماعيل من القيروان في رده فردوه، وقد كان بجكم المتغلب على الدولة ببغداد أيام المستكفي.

 

بذل لهم خمسين ألفا من الذهب على أن يردوه، فأبوا وزعموا أنهم إنما حملوه بأمر إمامهم عبيدالله، وإنما يردونه بأمره، وأمر خليفته وأقام أبو طاهر بالبحرين، وهو يتعاهد العراق والشام بالغزو، حتى ضربت له الإتاوة ببغداد وبدمشق على بني طنج، ثم هلك أبو طاهر سنة ثلاثة مائة واثنتين وثلاثين لإحدى وثلاثين سنة من ملكه، ومات عن عشرة من الولد، كبيرهم سابور، وولى أخوه الأكبر أحمد بن الحسن، واختلف بعض العقدانية عليه، ومالوا إلى ولاية سابور بن أبي طاهر، وكاتبوا القائم في ذلك، فجاء جوابه بولاية الأخ أحمد، وأن يكون الولد سابور ولي عهده، فاستقى أحمد في الولاية عليهم، وكنوه أبا منصور، وهو الذى رد الحجر الأسود إلى مكانه ثم قبض سابور على عمه أبي منصور.

 

فاعتقله بموافقة إخوته على ذلك، وذلك سنة ثلاثة مائة وثمان وخمسين، ثم ثار بهم أخوه فأخرجه من الاعتقال، وقتل سابور، ونفى إخوته وأشياعهم إلى جزيرة أوال، ثم هلك أبو منصور سنة ثلاثة مائة وتسع وخمسين، ويقال أنه مات مسموما على يد شيعة سابور، وولي ابنه أبو علي الحسن بن أحمد، ويلقب الأعصم، وقيل الأغنم، فطالت مدته، وعظمت وقائعه، ونفى جمعا كثيرا من ولد أبي طاهر، ويقال اجتمع منهم بجزيرة أوال نحو من ثلاثمائة، وحج هذا الأعصم بنفسه، ولم يتعرض للحاج، ولما اقتلع أبو طاهر القرمطي الحجر الأسود، قال شعرا يدل على عظيم زندقته، وهكذا يتذكر الناس عند قدوم شهر رمضان بشائره وانتصارات المسلمين فيه، وهذا حق، ولكن ثمة بشائر أخرى تغيب، وهي إهلاك الله للظالمين في شهر رمضان.

 

وفي واحدة من أضعف لحظات الخلافة العباسية، حيث جرى انقلاب عسكري فاشل على الخليفة المقتدر بالله هاجم أبو طاهر القرمطي مكة المكرمة يوم التروية فدخل الحرم وارتكب فيه مذبحة شنيعة، فلم ينج أحد ولو تعلق بأستار الكعبة، فقتل خلقا كثيرا وألقى الجثث في بئر زمزم، وصاح من فجوره أنا الله وبالله، أنا أنا أخلق الخلق وأفنيهم أنا، ونزع كسوة الكعبة ومزقها ونزع باب الكعبة وهدم القبة المبنية على زمزم، وأمر باقتلاع الحجر الأسود فكان الذي اقتلعه يصيح أين الطير الأبابيل، أين الحجارة من سجيل؟ ثم أخذوا الحجر إلى بلادهم ونهبوا ديار المكيين وقتلوا منهم نحو ثلاثين ألفا، واستمر إفسادهم وهجومهم على البلاد في ظل عجز من الخلافة العباسية، وتناحر قادتهاز

 

حتى أنعم الله على الأمة بهلاك زعيمهم أبي طاهر هذا فى شهررمضان عام ثلاثة مائة واثنين وثلاثين من الهجرة وعمره ثماني وثلاثون عاما فقط، وتضعضع من بعده أمر القرامطة، وزاد حال الخلافة العباسية سوءا، وانقضت بموته عشرون عاما عصيبة لم يكن في تاريخ الإسلام مثلها.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock