
أكد اللواء الدكتور سمير فرج الخبير الاستراتيجي والعسكري والمحلل السياسي أن في حياة الشعوب أيام قاسية وأيام عظيمة، حيث كان 5 يونيو 1967 من أقسى الأيام في تاريخ مصر وقواتها المسلحة، كما كان يوم 6 أكتوبر 1973 من أعظم الأيام في تاريخ مصر وقواتها المسلحة.
في صباح يوم الخامس من يونيو عام 1967، وفي تمام الساعة السابعة صباحًا، كنت أنا الملازم أول سمير فرج، ضابط استطلاع الكتيبة الثالثة مشاة، أؤدي مهمتي على خط الحدود في منطقة الكونتيلا في سيناء، حيث يقع أمامي مباشرة، وعلى بعد لا يزيد عن كيلومتر واحد، برج المراقبة الإسرائيلي، وعلى الحدود يُرفع العلم الإسرائيلي.
ووفقًا لتعليمات قائد الكتيبة، التي تلقيناها في الليلة السابقة، كنا في انتظار وصول أفراد التعبئة من القاهرة في صباح ذلك اليوم، لتنفيذ خطة توزيعهم على وحدات الكتيبة لتكتمل قوتها استعدادًا لأي هجوم، إذ إن الكتيبة في أوضاع السلم لا تكون مكتملة العدد، ويلزم دعمها بجنود الاحتياط.
وفي صباح ذلك اليوم تحركت مسرعًا، ومعي ضابط الصف “صول الكتيبة“، إلى موقع وصول أفراد التعبئة لتنفيذ التعليمات الصادرة بشأن توزيعهم، ووجدنا بالفعل عددًا من العربات القادمة من القاهرة تحمل أعدادًا من جنود الاحتياط، إلا أننا فوجئنا بوصولهم في حالة سيئة؛ فجميعهم دون استثناء يرتدون الملابس المدنية، ومعظمهم ممن جاءوا من القرى يرتدون الجلابيب، فضلًا عما علمناه عن عدم تناولهم الطعام منذ عدة أيام.
فأبلغت صول الكتيبة بأنني سأتولى تدبير وجبات لإفطارهم، بينما يقوم هو بتسجيل الأسماء والبيانات والتخصصات. وبالفعل ذهبت إلى مطبخ الكتيبة، وجمعت ما تيسر من الطعام لتعويضهم عن تعب الأيام الماضية ومشقة السفر الطويل.
ولما عدت ومعي الطعام، كان الصول قد أنهى تسجيل البيانات اللازمة، فتوجهنا إلى قائد الكتيبة العقيد محمود عمران لتسليمه التقرير، الذي كان في الحقيقة صادمًا، حيث لم يكن بين أفراد التعبئة أي جندي مشاة، ولم يُزود أي منهم بسلاح.
وما زلت أسمع كلمات ونبرة صوت العقيد عمران عند اطلاعه على التقرير عندما صرخ قائلًا:
“معقولة؟! كتيبة مشاة يُرسل لها أفراد تعبئة ليس بينهم جندي مشاة واحد، وغير مسلحين؟!”
وأضاف الصول أنهم لا يرتدون الملابس العسكرية أيضًا، وهو ما يستلزم الاتصال بقيادة اللواء لتدبير الزي العسكري اللازم.
وبينما شرعنا في إتمام الإجراءات اللازمة، كانت الساعة قد تجاوزت التاسعة صباحًا، وفجأة أبلغنا عامل الإشارة برسالة من القيادة بأن العدو الإسرائيلي قد بدأ تنفيذ ضربة جوية ضد مصر.
وهكذا بدأت “حرب الأيام الستة”، كما أطلقت عليها إسرائيل، وسُجلت لاحقًا بهذا الاسم في المراجع والمؤسسات العسكرية في العالم، بينما وصفناها في مصر بمصطلح “نكسة 67“، بعدما شنت إسرائيل ضربة جوية مفاجئة على المطارات والقواعد الجوية المصرية ووحدات الدفاع الجوي، وتمكنت من تدمير أكثر من 90% من سلاح الجو المصري وهو على الأرض، فضلًا عن هجوم المقاتلات الإسرائيلية على القوات البرية المصرية.
وكانت تلك الأحداث بداية لسلسلة طويلة من الدروس المستفادة، فبعد الفشل في خطة التعبئة والاحتياط، التي كانت أحد عوامل الهزيمة في يونيو 1967، أدركت القيادة المصرية أن استعادة الثقة بالنفس ورفع الروح المعنوية لأفراد الجيش هما أولى الخطوات نحو الطريق الصحيح.
فشهدت القوات المسلحة المصرية تحولًا جذريًا في تدريب جنودها، إدراكًا من القيادة العسكرية أن الجيوش القوية لا تعتمد على العدد فقط، وإنما يساويه في الأهمية الكفاءة والتأهيل العلمي.
فبعدما كان الجندي المصري يُستدعى من القرى والنجوع دون تعليم أو تدريب كافٍ، بما أثر سلبًا على جاهزية القوات في مواجهة التحديات والتهديدات، كانت هزيمة 1967 سببًا في بدء مرحلة التطوير، التي ركزت على تجنيد الشباب المتعلم من ذوي المؤهلات العليا، وتوفير برامج تدريبية متقدمة لهم.
وشهدت الكليات والمعاهد العسكرية تطورًا كبيرًا في مناهجها، لتشمل علوم الإدارة والهندسة والتكنولوجيا، مما أفرز جيلًا من الضباط والجنود القادرين على التعامل مع أحدث التقنيات والأسلحة.
وبالاستفادة من دروس الماضي، أصبحت قواتنا المسلحة المصرية اليوم صاحبة واحدة من أفضل خطط التعبئة واستدعاء الاحتياط على مستوى العالم، بعدما كانت الريادة في ذلك المضمار لإسرائيل والدول الإسكندنافية.
وهو ما يذكرني بفترة دراستي في الولايات المتحدة الأمريكية، عندما حضرت محاضرة لوزيرة الدفاع الدنماركية حول مشكلات الأمن القومي في العصر الحديث، تطرقت خلالها لموضوع التعبئة، وذكرت أن مصر، بعد الاستفادة من أخطاء 1967، أصبحت تمتلك أكفأ خطة تعبئة احتياط في العالم.
ولم يكن هذا التحول وليد الصدفة، بل نتيجة لسياسات استراتيجية استهدفت بناء جيش عصري يعتمد على العلم والمعرفة، ويواكب التطورات العالمية في مجال الحروب والتقنيات العسكرية.
وبفضل هذه الجهود والسياسات الرشيدة، استطاعت مصر أن تعيد بناء قواتها المسلحة، وتحقق انتصارات عظيمة، أبرزها نصر أكتوبر 1973، الذي أعاد الكرامة للأمة العربية بأسرها، وأثبت أن الجندي المصري ليس مقاتلًا باسلًا فحسب، وإنما أيضًا مسلح بأحدث العلوم التكنولوجية المواكبة لعصره.
ولعل أبرز الأمثلة على تطور قدرات القوات المسلحة المصرية خلال معارك حرب الاستنزاف، التي استمرت لمدة 6 سنوات متتالية، هو قدرة وحدات الدفاع الجوي المصري على ابتكار فكرة حائط الصواريخ وتنفيذها، واستحداث القوات الجوية دشم الطائرات في المطارات.
ومن هنا كانت أحداث نكسة 67، ومن بعدها حرب الاستنزاف، التي تعلمنا فيها الكثير، وتدربنا على خطط العبور والأسلحة الجديدة، ليأتي يوم 6 أكتوبر 1973، ونحقق أغلى انتصارات مصر في العصر الحديث.



