
عجب من زمنٍ تتسارع فيه الأحداث حتى أصبح الأمس تاريخا واليوم اختبارا والغد سؤالا مفتوحا على كل الاحتمالات.
عجبت من وطنٍ يخوض معارك التنمية وفي الوقت نفسه يواجه تحديات اقتصادية وإقليمية غير مسبوقة، فيجد المواطن نفسه بين أملٍ يترقبه وضغوطٍ يلامسها في تفاصيل حياته اليومية.
عجبت من أشخاص لا يرون إلا نصف المشهد فمنهم من لا يرى إلا الإنجاز ومنهم من لا يرى إلا المعاناة، بينما الحقيقة أن الأوطان لا تبنى وتحقق استقرارها وتحقق مطالب أبنائها بالشعارات وحدها، وفي نفس الوقت لا تهدم بالانتقاد وحده ولكن تبنى بالعمل وتصحح بالنقد المسؤول وتحيا بتكاتف أبنائها.
عجبت من اختلاف الرأي حين يتحول إلى خصومة ومن الحوار حين يفقد لغته الهادئة ومن الكلمة حين تصبح أداة للهدم بدل أن تكون وسيلة للإصلاح. فالكلمة أمانة وصاحبها مسؤول عنها أمام ضميره ثم أمام القانون.
عجبت من مواطن يتحمل ضغوط و أعباء الحياة بصبر ويواصل السعي رغم ما يواجهه من تحديات مؤمنا بأن الأزمات لا تدوم، وأن الأمم القوية هي التي تعبر المحن بالإرادة والعمل لا باليأس والتنازع.
وعجبت أكثر من أن البعض يظن أن حب الوطن يعني الصمت عن كل ملاحظة أو أن النقد يعني الخصومة مع الدولة. والحقيقة أن الانتماء الصادق يجمع بين دعم مؤسسات الدولة واحترام القانون والمطالبة بالإصلاح بأسلوب راق ومسؤول بعيدا عن التجريح أو التشكيك أو إثارة الفتن.
إن المرحلة التي تمر بها مصر تتطلب وعيا قبل الكلام وحكمة قبل إصدار الأحكام وإدراكا بأن بناء الأوطان مسؤولية مشتركة لا تتحقق إلا بتكاتف الدولة والمجتمع واحترام الرأي والرأي الآخر في إطار الدستور والقانون.
ويبقى الأمل هو العنوان والعمل هو الطريق والوطن هو الباقي أما الخلافات العابرة فتمضي مع الأيام، بينما تظل مصر أكبر من كل اختلاف وأوسع من كل خلاف وأحق بأن نجعل مصلحتها فوق كل اعتبار.
عجبت ولكنني ما زلت مؤمنا بأن هذا الوطن الذي عبر محنا أشد قادر بإذن الله على أن يعبر هذه المرحلة أيضا ما دام أبناؤه يجعلون الحوار سبيلا والعمل منهجا والقانون ميزانا للجميع.



