فن وثقافة

عندما يربح الموت كل القضايا 

‏بقلم الدكتور /محسن رجب جودة 

 

‏كانت قاعة المحكمة رقم (٤) تضجّ بالحركة، رائحة الأوراق الرسمية الممتزجة ببرودة التكييف تزيد من توتر الأجواء. في الممر الضيق، وقف خالد يراجع أوراقه بيدين ترتجفان، لم يكن يرتجف خوفًا من القانون، بل من انكسار قلبه.

‏على الجانب الآخر، كانت زوجته «سناء» تقف كالجدار الجامد، يحاط بها ابناهما، «أحمد» (٢٢ عامًا) و«منى» (١٩ عامًا). نظرات الأبناء لأبيهم لم تكن تحمل عداوة بقدر ما كانت تحمل عتبًا ثقيلًا تحول بفعل سنوات الخلاف والشحن والشحن المضاد إلى جفاء بارد.

‏كانت القضية المنظورة اليوم هي ذروة جبل الجليد: نفقة، ومؤخر، وقضايا متبادلة حول ملكية الشقة، ودعاوى تشهير متبادلة. تحولت الأسرة التي كانت يومًا تتقاسم رغيف الخبز والضحكات، إلى خصوم لدودين في ساحة لا ترحم.

‏نادى حاجب المحكمة: “القضية رقم ٢٤٥.. خالد عبد الرحمن ضد سناء محمود!”

‏دلف الجميع إلى القاعة. وقف خالد في المنصة المخصصة له، بينما وقفت سناء والأبناء في الجهة المقابلة. بدأ المحامون في سرد التفاصيل الجافة، كلمات مثل “الامتناع”، “التعويض”، “الحجز”، كانت تسقط على مسامع خالد كالمطارق.

‏نظر خالد إلى ابنه أحمد، وتذكر كيف كان يحمله فوق كتفيه ليُشاهد موكب العيد. نظر إلى منى، فتذكر دموعها يوم نجاحها في الثانوية وكيف ارتمت في حضنه. سأل نفسه بمرارة: كيف وصلنا إلى هنا؟ كيف تحول الحب إلى محاضر ودعاوى وقضاة؟

‏تنحنح القاضي ونظر إلى خالد قائلًا: “يا حاج خالد، هل لديك أقوال أخرى قبل النطق بالحكم؟”

‏تقدم خالد خطوة واحدة، كانت أنفاسه متلاحقة، ووجهه يميل إلى الشحوب. نظر إلى زوجته ثم إلى أولاده، وخرج صوته مبحوحًا ومثقلًا بالوجع:

‏”يا سيادة القاضي.. أنا لا أدافع عن مالي، ولا عن شقتي.. أنا أدافع عن عمري الذي انفرط. يا سناء، هل هانت عليكِ الأيام؟ يا أحمد.. يا منى.. أنا أبوكم.. لستُ غريمًا لكم في محكمة..”

‏لم يحتمل قلب الشيخ الهرم هذا الكم من الضغط؛ فالدموع التي حبسها لسنوات انهمرت فجأة بفيضان من القهر.

‏اللحظة التي توقف فيها الزمن

‏فجأة، انقطع صوت خالد. تراجع خطوة إلى الوراء، وامتدت يده نحو صدره كأنه يحاول الإمساك بقلبه الذي يخلع نفسه من مكانه. التفتت الأنظار إليه.. ترنح قليلًا، ثم سقط!

‏سقوطًا مدويًا هز أرجاء القاعة الساكنة.

‏في تلك اللحظة بالذات، سقطت كل أوراق القضايا من أيدي المحامين. سقطت لائحة الطلبات، وسقط معها غضب السنين المتراكم. في جزء من الثانية، تبخرت القوانين والمطالبات المادية، ولم يتبقَ في القاعة سوى الحقيقة العارية.

‏صرخت سناء صرخة هزت الجدران: “خاااالد!” لتهرع نحوه وتجثو على ركبتيها، متناسية كل حقد وكل دعوى قضائية.

‏ارتمى أحمد فوق جسد أبيه، ممسكًا بيده الباردة، وهزّه بعنف وهو يبكي بهستيرية:

‏”إصحى يا بابا.. إصحى إحنا مش عاوزين حاجة.. ملعون الفلوس وملعون البيت! بس كلمنا.. رد عليا يا بابا!”

‏أما منى، فقد انخرطت في بكاء مرير، وهي تحاول تقبيل جبينه وتصرخ: “سامحني يا بابا.. أنا آسفة.. قُم معنا إلى البيت، لن نعود هنا أبدًا”.

‏هرع طبيب كان متواجدًا بالصدفة في القاعة، وضع يده على نبض خالد، ثم نظر إلى القاضي والدموع في عينيه، وهز رأسه بأسى: “البقاء لله.. جلطة قلبية حادة.. لقد رحل.”

‏طُرقت مطرقة القاضي، لكن هذه المرة ليس لإعلان حكم، بل لإنهاء الجلسة إلى الأبد. رُفعت القضية قانونيًا بوفاة المتهم، ولكن في تلك اللحظة بالذات، بدأت المحاكمة الحقيقية داخل قلوب الزوجة والأبناء.

‏محكمة الضمير: حيث لا محامين يدافعون، ولا ثغرات قانونية يُلجأ إليها.

‏حكم الندم: الذي صدر بغير استئناف، ليرافقهم ما تبقى من حياتهم.

‏خرجت الجنازة من المسجد، وعاد الأبناء والزوجة إلى بيتهم. ذلك البيت الذي تخاصموا عليه وتصارعوا لامتلاكه في المحاكم. دخلوا الشقة فجأة فوجدوها واسعة.. واسعة وموحشة ومظلمة، لأن “عمود البيت” قد انكسر.

‏لم يربح أحد القضية. خرج الجميع مهزومين كاسفي البال. نظر أحمد إلى حذاء أبيه عند الباب، وجلس يبكي كطفل صغير فقد أمانه.

‏لقد أدركوا، ولكن بعد فوات الأوان، أن الخلافات التي ظنوها نهاية العالم، لم تكن سوى أوهام غيبها الغرور والكبر، وأن وجود ذلك الرجل العجوز وصوته في البيت، كان هو “كل العالم”.

‏”اللهم لا تجعل الخصام يطول بيننا وبين من نحب، ولا تقبضنا أو تقبضهم إلا ونحن راضون عنهم وهم راضون عنا، ولا تذقنا لوعة الندم المتأخر الذي لا يجبره دمع ولا يعيده عتاب.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock