دين ومجتمع

أدب الدعوة.. بين بصيرة العلم وزكاة السلوك

بقلم د- كامل عبد القوي النحاس

إن الكلمة أمانة والدعوة إلى الله هي أسمى مراتب البيان فهي روحٌ تسري ومنهجٌ يُقتفى
وحين يتصدى المرء لهذا المقام العظيم فإنه لا يمثل ذاته بل يقف في مقام البلاغ مما يستوجب إخلاصاً يتوارى فيه الأنا لتظهر فيه الحقيقة

​ميثاق الدعوة
الدعوة إلى الله ليست رأياً شخصياً يُفرض ولا انفعالاً عابراً يُفرغ ولا ساحة جدل تُقصد
بل هي مقامٌ عظيم ووظيفةٌ شريفة وامتدادٌ لرسالة الأنبياء ومن تجرأ عليها بغير علم أو أدب
فقد أساء من حيث أراد الإصلاح
​قال الله تعالى:

وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمَلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ

فقرن سبحانه الدعوة بالعمل، لأن القول إذا خلا من السلوك صار حجةً على صاحبه لا له
وقال سبحانه:

ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ

فالدعوة سبيل الله وليست سبيل الداعية وهي محرابٌ للعبادة لا ميداناً لتكبير الذات أو الانتصار للنفس.
​والداعية الصادق كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم يفرح بهداية الناس لا بعلو صوته ويأنس بالحق لا بكثرة أتباعه فمن جعل رأيه هو الدين فقد خالف جوهر الإخلاص وإن رفع شعاراته فالرياء يفسد الدعوة كما يفسد السم العسل ويحول النصيحة إلى خصومة والرفق إلى غلظة

​والرفق أصل الدعوة به تُفتح القلوب وتُقبل الكلمة وتُحفظ الهيبة
فإذا كان الله قد أمر موسى وهارون بالقول اللين مع فرعون فكيف بمن هو دونه من الناس؟
إن الداعية العنيف يغلق القلوب باسم الدين والداعية الرفيق يفتحها بنور اليقين فالأول يصنع وحشة
والثاني يبني جسراً
​ولا دعوة بغير علم ولا إصلاح بجهالة
فالجاهل إذا تصدر الدعوة أفسد العقائد وأشعل الفتن والقدوة قبل الموعظة والسلوك قبل الخطاب فالناس تنظر إلى أفعالك قبل أن تسمع لأقوالك والداعية إذا كذب أو ظلم أو تكبر هدم ما بناه بيده
​ومن فقه الدعوة مراعاة الواقع وترتيب الأولويات

فخاطبوا الناس بما يعرفون ولا تحملوهم ما لا يطيقون فإن تقديم الفرع على الأصل ضياع للمقصد والخطاب قبل أوانه مفسدة للقلوب

​خاتمة المقصد
إن الدعوة إلى الله ليست كثرة كلام بل صدق منهج وليست حِدّة صوت بل حكمة أسلوب
وليست انتصاراً للنفس بل بلاغاً عن رب العالمين
فمن لم يتأدب بآدابها فقد أساء إلى الدين وهو يظن أنه يُحسن صنعاً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock