لايحتفل إبليس بالمعصية… بل يحتفل بكل قطيعة

عن جابر رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنَّ إبليسَ يضعُ عرْشَه على الماء، ثم يَبْعَث سَراياه، فأدْناهم منه منزِلةً أعظمُهم فتنةً، يجيء أحدهم فيقول: فعلتُ كذا وكذا، فيقول: ما صنعتَ شيئًا.
قال: ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركتُه حتى فَرَّقتُ بينه وبين امرأتِه، قال: فيُدْنِيه منه ويقول: نعم أنت».
تأمل هذه الكلمات وستدرك أن الحديث الشريف لا يقلّل من خطورة المعصية الفردية، ولا يهوّن من شأن الذنب، لكنه يلفت النظر إلى خطرٍ أعمق وأبعد أثرًا، وهو خطر ما يترتب على ارتكاب الذنب، وليس الذنب في ذاته؛ فالمعصية التي يقع فيها العبد بينه وبين ربه، كالتقصير في العبادة، أو نظرة محرّمة، أو ضعف أمام شهوة، تظل باب التوبة فيها مفتوحًا، وغالبًا ما يقف أثرها عند صاحبها، وتنتهي بتوبة صادقة مع الله عز وجل.
لكن حين يتحوّل الذنب إلى العلاقات، ويخرج من دائرة الفرد إلى دائرة الناس، يصبح مشكلة ذات أثر اجتماعي وما أكثر تلك الذنوب، مثل: الغيبة والنميمة ونقل الكلام وسوء الظن المُعلَن وإشعال الخلاف بين المتخاصمين وإشاعة الفتن والانتصار للرأي مع العلم بالخطأ.
هنا لا يقف الضرر عند شخص واحد، بل يمتد ليكسر الثقة، ويفسد ما بين الناس، ويزرع القطيعة والنزاع، وهذا هو المقصد الذي يحتفي به إبليس؛ لا مجرد وقوع المعصية، بل تحويلها إلى أداة لهدم العلاقات وزعزعة استقرار المجتمع.
ليس هدف إبليس أن يذنب الإنسان في لحظة ضعف، بل هدفه الأعمق هو زعزعة استقرار العلاقات بين الناس، أن تتحول الروابط بينهم إلى قطيعة، والاختلاف إلى خصومة.
فما أكثر أصدقاء يتباعدون بسبب اختلاف رأي أو فكر، وزملاء عمل في خصام بسبب موقف عابر، وجيران يتحولون إلى أعداء بسبب كلمة أو سوء ظن.
والأخطر من ذلك أن إبليس لا يدفع إلى القطيعة صراحة، بل يهيّئ لها الأفكار التي تبرّرها وتُجمّلها؛ تحت عناوين مثل: أنا على حق، أو أنا مظلوم. فيتحول الخلاف إلى معركة رأي، ويصبح الانتصار للنفس أهم من الانتصار للحق، من غير نظر إلى قيمة العلاقة ذاتها ولا إلى ما يترتب على هدمها.
ومع الوقت، فصلنا الدين عن إدارة حياتنا اليومية وعلاقاتنا، فصار عبادات وشعائر فقط، كأن الدين ينظم علاقتنا بالله فقط، ولا يتدخل فيما يحدث بيننا وبين الناس، مع أن الدين منظومة كاملة تنظم علاقة الإنسان بربه، وبنفسه، وبالناس من حوله، جاء ليحفظ الروابط، ويمنع القطيعة، ويكبح الانجراف وراء وساوس التفريق والخصومة، ومع غياب تلك المنظومة صار الهجر أسهل، والتفكك أسرع، وكسر العلاقة قرارًا بلا حساب.
فليست كل معصية تفرح إبليس، لكن تفرحه كل قطيعة.



