دين ومجتمع

مائدة جابر في الخندق

بقلم -محمد الدكرورى

لقد حُبب إلى رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم الخلاء، فكان يخلو “بغار حراء” فيتعبد فيه الليالي إلي الله تعالي، تاركا مكة تنغمس في الضلال، وكان يجد في نفسه صلى الله عليه وسلم ألما لما عليه أهل مكة من ضلال وزيغ وعبادة أوثان، وكان مسلما وجهه إلى الله عز وجل، مملوء القلب بالخشية، وبعد أن نزل عليه الوحي صلى الله عليه وسلم كان موصول الهمة بالعبادة لله تعالي، ويقوم بالدعوة، ويتقرب إلى الله بالذكر والصلاة والصيام وتلاوة القرآن، ولقد كان الصحابة الصحابة الكرام يحفرون الخندق، وكانوا يضعون الحجر على بطونهم من الجوع، وهذا دليل على أن من تفرخ في الدنيا، أو كبر بطنه في مآكل الدنيا، أو ثقل جنباه، أو كثرت سياراته أو أمواله، أن ذلك ليس بدليل على منزلته عند الله.

 

ويقول جابر بن عبد الله رضي الله عنه فحفرنا الخندق فعرضت لنا كدية أي صخرة فنزل رسول الله صلي الله عليه وسلم بالمعول، فأخذه فضرب فشظ له شظية من نار، أو من نور، أو من بارق، فقال صلي الله عليه وسلم لقد أريت قصور كسرى يفتحها الله علي، فتغامز المنافقون أحدهم دق صاحبه وغمزه، وقال اسمع يفتح الله عليه قصور كسرى، ونحن أحدنا لا يستطيع أن يبول من الخوف، ثم يضرب صلى الله عليه وسلم الضربة الثانية فيلمع نور وهاج، فيقول لقد أريت قصور الحيرة، وقيل المناذرة، وقيل القياصرة يفتحها الله علي، وأُريت الكنزين الأبيض والأحمر، وسوف يفتحها الله على أمتي، فيتغامزون، ويذكر الله هذا القصص عنهم وهم يقولون ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا.

 

لكن بعد سنوات يفتح الله عليه قصور كسرى وقيصر، وتدخل جيوشه مهللة مكبرة، فاتحة منتصرة، وتعطى أمته الذهب والفضة، فلما حفروا رأى جابر بن عبد الله الجوع بالمصطفى صلي الله عليه وسلم وعلى بطنه حجران، فعاد جابر فتذكر هل في بيته طعام، فتذكر عناقا صغيرة وشيئا من شعير، فذهب إلى زوجته، فقال هل من طعام؟ قالت هذه العناق، والعناق، هي ولد الماعز، فرآه جابر فقال لامرأته اصنعي هذا الشعير طعاما، وذبح العناق ووضعها في القدر، وعاد إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم وقال يا رسول الله معي طعام يكفي اثنين أو ثلاثة، ويقول ذلك في أذني رسول الله صلي الله عليه وسلم وتكلم معه بالسر، لأن المسألة لا تتحمل أكثر من أربعة، طعام قليل وأهل الخندق لو سمعوا وانتشر الخبر.

 

لأنت الداهية، سبعمائة أو أكثر من أهل الخندق، وهم في جوع لا يعلمه إلا الله، الواحد منهم يمكنه أن يأكل العناق والشعير ويدعه قاعا صفصفا لا ترى فيه عوجا ولا أمتا، فقال يا رسول الله أريد معك اثنين أو ثلاثة، عندي طعام قليل، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم ” يا أهل الخندق ورفع صوته، إن جابر بن عبد الله قد صنع لكم طعاما فحيهلا بكم” فوضعوا المساحي وقاموا يمشون إلى بيت جابر، وأما جابر فأسقط في يده، وذهب يفكر، مرة يقول يمكن أن الرسول صلي الله عليه وسلم ظن أني أريد الناس، ومرة لا يدري، فوصل إلى امرأته يبشرها بهذا الجيش العرمرم، قالت الله ورسوله أعلم، فتقدم رسول الله صلي الله عليه وسلم أمام الناس، وهو يتبسم صلى الله عليه وسلم من الواقع والحدث الذي في البيت.

 

ومما في نفس جابر بن عبد الله ونفس امرأته، وقال صلي الله عليه وسلم ” يا جابر لا تضع البرمة على النار ولا القدر أي القدر فيه الطعام، والبرمة فيها اللحم، فتقدم صلى الله عليه وسلم إلى اللحم ونفث فيه من ريقه الطيب الطاهر، أي نفث في الطعام صلي الله عليه وسلم وأمر بإنزاله، ودعا الله بالبركة، وقال أدخلهم عشرة عشرة، فدخلوا فأكلوا وقاموا، ثم أتى الآخرون فأكلوا وقاموا، حتى انتهى الجميع والطعام بحاله ما نقص لقمة، فأتى صلى الله عليه وسلم وقال لجابر بن عبد الله تعالي، وأخذ يأكل، وهو يقول أشهد أني رسول الله، ونقول نشهد أنك رسول الله صلي الله

عليه وسلم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock