مقالات وآراء

“صحاب الأرض”.. الدراما حين تتحول إلى وثيقة إدانة للاحتلال

بقلم - أحمد شتيه

مع عرض الحلقات الأولى من مسلسل صحاب الأرض، لم تكن الضجة التي أثيرت حوله مجرد تفاعل جماهيري معتاد مع عمل درامي جديد، بل تحولت إلى ما يشبه المعركة المفتوحة بين الدراما والرواية المضادة.
فالمسلسل، الذي يتناول قضية الأرض والانتهاكات الواقعة على أصحابها، نجح منذ مشاهده الأولى في وضع الاحتلال تحت مجهر درامي حاد، كاشفًا ممارسات طالما حاولت الآلة الإعلامية الإسرائيلية نفيها أو تبريرها.

منذ الحلقة الأولى، اختار العمل أن يذهب مباشرة إلى قلب الحدث، عارضًا مشاهد توثق مصادرة الأراضي، وهدم المنازل، والتضييق على الأهالي، في قالب درامي مشحون بالعاطفة والواقعية.
لم يعتمد المسلسل على الخطابة أو الشعارات، بل قدم قصصًا إنسانية تُجسد المعاناة اليومية، وهو ما جعل تأثيره مضاعفًا على المشاهد العربي.
اللافت أن المسلسل لم يكتفِ بعرض الوقائع، بل حرص على تفكيك آليات السيطرة، سواء عبر القوانين المجحفة أو الممارسات الميدانية، ليؤكد أن الصراع ليس مجرد نزاع حدودي، بل قضية وجود وهوية.

رد الفعل لم يتأخر. وسائل إعلام إسرائيلية بارزة هاجمت العمل بشدة، معتبرة أنه “تحريضي” و”أحادي الرواية”، بل وصل الأمر إلى اتهامه بتزييف الحقائق. هذا الهجوم يكشف في حد ذاته حجم التأثير الذي أحدثه المسلسل، إذ لم يكن ليُقابل بكل هذا الانزعاج لو لم يمسّ مناطق حساسة في السردية الإسرائيلية.

التقارير العبرية ركزت على أن العمل يرسخ صورة سلبية عن إسرائيل أمام الرأي العام العربي، ويعيد إحياء ملفات تسعى تل أبيب إلى طيّها في ظل مسارات التطبيع والانفتاح الإعلامي. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل المشكلة في العمل، أم في الوقائع التي يعرضها؟

منذ سنوات، تُدرك إسرائيل أهمية “القوة الناعمة” في تشكيل الوعي، مستثمرة في السينما والدراما لترويج روايتها، لكن ظهور أعمال عربية أكثر جرأة واحترافية يعيد التوازن إلى ساحة السرد، ويمنح الجمهور فرصة الاطلاع على زاوية أخرى من الحقيقة.
“صحاب الأرض” لا يدّعي أنه وثيقة تاريخية، لكنه يسلط الضوء على واقع موثق في تقارير دولية وشهادات ميدانية وهنا تكمن قوته؛ إذ يدمج بين الدراما والحقائق، فيصنع حالة وجدانية يصعب تجاهلها.

في تقديري، ما أثاره المسلسل من غضب إسرائيلي هو شهادة نجاح له قبل أي شيء آخر. فالدراما التي لا تثير جدلاً، غالبًا ما تمر بلا أثر. أما حين تتحول إلى محور نقاش سياسي وإعلامي، فهذا يعني أنها أصابت هدفها.
القضية ليست في شيطنة طرف أو تمجيد آخر، بل في حق الشعوب في رواية قصصها كما عاشتها.
وإذا كانت بعض المشاهد قد أزعجت الإعلام الإسرائيلي، فربما لأن الحقيقة حين تُعرض بصدق تكون أكثر إيلامًا من أي خطاب سياسي.
في النهاية، تظل الدراما ساحة من ساحات الصراع على الوعي. و”صحاب الأرض” أثبت أن الشاشة الصغيرة قادرة على إحداث صدى يتجاوز حدود الترفيه، ليصل إلى قلب المعركة الكبرى: معركة الرواية والذاكرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock