مقالات وآراء

من رحم العطاء يولد الوجع 

بقلم: مارينا روماني 

 

ليست كل الجراح متشابهة، فهناك جراح يتركها الغريب، وجراح ينقشها القريب في أعماق الروح.

وما أقسى أن يكون سبب الانكسار جزءًا منا، أو ثمرةً من ثمارنا، أو يدًا امتدت يومًا لتتشبث بنا طلبًا للحماية، ثم عادت لتكون سببًا في سقوطنا.

إن القهر الحقيقي ليس أن تعصف بالشجرة رياح عاتية، ولا أن يقطعها حطاب غريب، بل أن تسقط أمام عود كبريت نبت من أعماقها.

فالمشهد هنا لا يصف احتراق شجرة فحسب، بل يروي حكاية الوفاء حين يُقابل بالجحود، والعطاء حين يتحول إلى أداة للأذى.

– كم من أبٍ أفنى عمره في تربية أبنائه، فإذا بأحدهم يصبح سببًا في انكساره.

– وكم من معلم صنع نجاح تلاميذه، ثم وجد منهم من ينكر فضله أو يحاربه.

– وكم من وطن احتضن أبناءه، فإذا ببعضهم يطعن جذوره التي منها استمدوا الحياة والهوية.

إن الألم الذي يأتي من الخارج يمكن احتماله، لأن النفس تستعد لمواجهة الغرباء، أما الألم الذي يأتي من الداخل فهو أكثر قسوة؛ لأنه يهدم الثقة قبل أن يهدم القلب.

فحين يصبح الامتداد سببًا في الانطفاء، يشعر الإنسان أن جزءًا من روحه قد انقلب عليه.

ومع ذلك، تبقى الشجرة رمزًا للعطاء.

فهي لا تكف عن منح الظل والثمر خوفًا من عود كبريت قد يخرج من بين أغصانها.

لأن قيمة العطاء لا تُقاس بردود أفعال الآخرين، بل بما يحمله من نبل وإنسانية.

لذلك، فإن أعظم صور القهر والوجع أن يسقط الإنسان بما صنعته يداه من خير، لا لأن الخير خطأ، بل لأن بعض النفوس لا تعرف قيمة الجذور التي أنبتتها، ولا تدرك أن من يحرق أصله، يحرم نفسه من الظل الذي كان يحميه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock