من لا يقرأ الأرقام يروي نصف الحقيقة البيانات روح الإعلام الجديد
بقلم الدكتورة دينا عبد الهادي

في زمن لم تعد فيه المعلومة حكرا على أحد تغيرت قواعد اللعبة الإعلامية من أساسها فلم يعد الصحفي هو من يحمل الخبر وحده بل أصبح من يحمل القدرة على فهم ما تقوله الأرقام وما تخفيه خلف صمتها الجامد
كل يوم تتدفق ملايين البيانات عبر الشبكات والأنظمة والتقارير لكنها تمر أمام أعيننا كأنها ضجيج لا معنى له والحقيقة أن هذا الضجيج يحمل في طياته قصصا لم تُروَ بعد وأسئلة لم تُطرح بعد وحقائق تنتظر من يمسك بها ويحولها إلى شيء يلمسه الناس ويفهمونه
وهنا تحديدا تصنع مهارة تحليل البيانات فارقا لا يمكن إغفاله فالإعلامي الذي يمتلك هذه المهارة لا يكتفي بنقل ما حدث بل يسأل لماذا حدث وكيف ومتى بدأ وإلى أين يمضي وهي أسئلة لا تجيب عنها الانطباعات بل تجيب عنها البيانات حين يعرف صاحبها كيف يقرأها ويفككها ويعيد بناءها على هيئة معنى إنساني مفهوم
ولعل أبلغ مثال على ذلك ما فعلته صحيفة نيويورك تايمز حين تناولت أزمة وفيات الأمهات في الولايات المتحدة فبدلا من الاكتفاء بعنوان عام ذهب فريقها إلى سجلات المستشفيات وتقارير وزارة الصحة وبيانات التأمين على مدى سنوات وحين حللوا كل ذلك اكتشفوا أن معدلات وفيات الأمهات من النساء السود تفوق نظيراتها من النساء البيض بمقدار ثلاثة أضعاف بصرف النظر عن المستوى التعليمي أو الاقتصادي وهذه المفارقة الصارخة التي لم تكن لتظهر إلا بالتحليل الدقيق أشعلت نقاشا وطنيا حقيقيا وأفضت إلى مراجعات في السياسات الصحية فهذا هو ما تصنعه مهارة تحليل البيانات لا تصف الجرح بل تكشف أين يتعمق ولماذا
هذه المهارة تحديدا هي التي تمنح المحتوى الإعلامي طبقات إضافية من العمق والمصداقية فالرقم الواحد حين يُقرأ في سياقه الصحيح ويُقارن بما حوله ويُربط بتحولات الزمن يتحول من مجرد إحصاء بارد إلى دليل حي يشرح الواقع ويضيء ما خفي منه وهذا التحول لا يحدث من تلقاء نفسه بل هو نتاج عقل تدرب على رؤية ما لا تراه العين المجردة
الإعلام المبني على تحليل البيانات يجيب عن الأسئلة الأعمق التي يحملها الناس في صدورهم دون أن يجدوا لها إجابة ويصنع من الأرقام الصامتة وعيا متحركا يساعد المجتمع على فهم نفسه وفهم ما يجري حوله وهذا النوع من الأثر لا تصنعه الكلمة وحدها بل تصنعه الكلمة حين تستند إلى رقم تم فهمه جيدا
في النهاية كل رقم يحمل قصة وكل مجموعة بيانات تخفي وراءها حقيقة تنتظر من يكشفها والفرق بين إعلام ينقل وإعلام يصنع الوعي ليس في حجم المعلومات المتاحة بل في القدرة على تحليلها وتحويلها إلى معنى يُ
فهم ويُحس ويبقى



