فن وثقافة

مهى فتوني تودّع الشتاء بـ”مامسكتش فيك” وتبدأ مرحلة موسيقية جديدة بروح مختلفة كليًا

الكاتب الصحفي والناقد الفني عمر ماهر

في انفراد فني خاص يُعيد رسم ملامح المشهد الغنائي مع بداية الموسم الصيفي، تعود النجمة اللبنانية مهى فتوني لتتصدّر الحديث بقوة من خلال إصدارها الجديد “مامسكتش فيك”، العمل الذي لا يبدو مجرد أغنية عابرة، بل بمثابة إعلان واضح عن بداية مرحلة موسيقية مختلفة تحمل في تفاصيلها نضجًا فنيًا أكبر ورؤية أكثر جرأة، خاصة أن الأغنية تأتي في توقيت رمزي جدًا، حيث تُعلن من خلالها وداعها لأجواء الشتاء بكل ما فيها من هدوء وانطواء، لتفتح الباب أمام صيف أكثر حرارة على مستوى الإحساس والإيقاع والطرح.
الأغنية منذ لحظتها الأولى تُقدّم نفسها كحالة مشاعر متوترة لكنها محسوبة بدقة، فهي ليست مجرد عمل رومانسي تقليدي، بل تجربة تحمل مزيجًا من القوة والانكسار في آن واحد، وكأنها تعكس لحظة مواجهة داخلية بين القلب والعقل، بين ما يُقال وما يُكتم، وهو ما جعل “مامسكتش فيك” تتجاوز كونها إصدارًا جديدًا لتصبح حالة وجدانية كاملة تلامس جمهورًا واسعًا يبحث عن الصدق في الموسيقى قبل أي شيء آخر.
ومن اللافت أن مهى فتوني لم تكتفِ فقط بالأداء الغنائي في هذا العمل، بل شاركت أيضًا في صياغة اللحن، وهو ما أضفى على الأغنية بصمة شخصية واضحة، جعلت المستمع يشعر أن الصوت هنا لا يؤدي فقط، بل يحكي تجربة خاصة جدًا، وهذا النوع من التداخل بين الفنان والعمل هو ما يمنح الأغنية قوة إضافية، لأنها تأتي من الداخل وليس من الخارج، من إحساس حقيقي وليس مجرد تنفيذ فني.
على مستوى الكلمات، جاءت الأغنية بتوقيع الشاعر محمد مصطفى ملك، الذي قدّم نصًا يحمل بساطة ظاهرية لكنها تخفي خلفها عمقًا شعوريًا كبيرًا، حيث تدور الفكرة حول حالة تعلق وانفصال في الوقت نفسه، ذلك التناقض الإنساني الذي يجعل المشاعر أكثر صدقًا وأقرب إلى الواقع، وهو ما ساعد مهى فتوني على تقديم أداء يعتمد على الإحساس المباشر دون مبالغة أو تصنع، لتصل الرسالة بشكل واضح ومؤثر.
أما التوزيع الموسيقي، فقد جاء بتوقيع محمد مجدي الذي نجح في بناء حالة صوتية متدرجة، تبدأ بهدوء محسوب ثم تتصاعد تدريجيًا لتصل إلى ذروتها العاطفية، مع استخدام فواصل موسيقية دقيقة تضيف عمقًا للحالة العامة للأغنية، بينما ساهم الميكس والماستر في إبراز كل تفصيلة صوتية بشكل واضح دون أن تطغى أي طبقة على أخرى، ما منح العمل توازنًا احترافيًا لافتًا.
ولم يتوقف الإبداع عند هذا الحد، حيث شارك مصطفى نصر بعزف الجيتار الذي أضاف لمسة دافئة وحسّية واضحة داخل البناء الموسيقي، بينما جاء صوت الكلارينت بتوقيع غسان أبو حلتم ليمنح الأغنية بعدًا مختلفًا أقرب إلى الحنين، وكأن هناك حوارًا خفيًا بين الآلات والمشاعر، فيما جاءت الوتريات بتنفيذ حسن سعيد لتغلف العمل بطبقة إحساس عميقة تعزز من الحالة الدرامية التي تحملها الأغنية.
ومع كل هذه التفاصيل، تبدو “مامسكتش فيك” وكأنها مشروع فني متكامل وليس مجرد أغنية صيفية، فهي تحمل في داخلها انتقالة واضحة في أسلوب مهى فتوني، من مرحلة تقديم الأغنية كمنتج موسيقي إلى تقديمها كحالة شعورية متكاملة، وهو ما يجعل هذا الإصدار بمثابة نقطة تحول مهمة في مسيرتها، خاصة أنه يأتي في وقت تتغير فيه طبيعة الذوق العام بشكل سريع ويحتاج فيه الفنان إلى لغة أكثر قربًا وصدقًا.
اللافت أيضًا أن توقيت الإصدار يحمل دلالة رمزية قوية، حيث اختارت مهى فتوني أن تودّع الشتاء بهذه الأغنية، وكأنها تغلق فصلًا كاملًا من الهدوء الداخلي لتفتح بابًا جديدًا أكثر حرارة وحيوية، وهو ما انعكس بوضوح على روح العمل التي تجمع بين الشجن والانطلاق، بين الوداع والبداية في الوقت نفسه، ما جعل الأغنية تبدو كجسر بين مرحلتين مختلفتين تمامًا.
ومع بدء انتشار الأغنية وتداولها، بدأت ردود الفعل تتجه نحو الإشادة بالاختيار الفني الجريء، سواء على مستوى الفكرة أو التنفيذ أو حتى التوقيت، حيث رأى الكثيرون أن مهى فتوني استطاعت أن تقدم عملًا يخرج عن النمط التقليدي للأغاني الموسمية، ويضعها في مساحة مختلفة أكثر نضجًا وخصوصية، وهو ما يعزز من مكانتها كفنانة تبحث عن التميز وليس مجرد الحضور.
“مامسكتش فيك” ليست مجرد إصدار جديد في موسم الصيف، بل هي إعلان فني واضح عن بداية مرحلة مختلفة في مسيرة مهى فتوني، مرحلة تعتمد على الإحساس العميق، والتفاصيل الدقيقة، والقدرة على تحويل التجربة الشخصية إلى حالة فنية عامة تصل إلى الجمهور بسهولة وصدق، لتثبت مرة أخرى أن الأغنية الحقيقية لا تُقاس بمدتها، بل بقدرتها على البقاء في الذاكرة.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock