
لم تعد قضية الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية تقتصر على الصدام المباشر بين السجان والأسير خلف القضبان، بل انتقلت لتصبح قضية سياسية وتشريعية تُدار في أروقة “الكنيست” بوصفها ساحة حرب قانونية مفتوحة. يواجه الأسرى اليوم مرحلة هي الأخطر في تاريخ الحركة الأسيرة، حيث يتم تجريدهم من صفتهم كأسرى حرية ونضال، وتحويلهم عبر منظومة من القوانين الجائرة إلى أهداف للتصفية الجسدية والمعنوية. هذا التحول ليس مجرد إجراءات أمنية عابرة، بل هو إرهاب تشريعي ممنهج يهدف إلى شرعنة الانتهاكات الجسيمة وضرب الروح المعنوية للشعب الفلسطيني من خلال استهداف طليعته المعتقلة.
وتتجلى خطورة هذا التوجه في حزمة من التشريعات التي تشكل مثلثاً من القمع يتجاوز الأسير ليصل إلى عائلته ووجوده القانوني، وعلى رأسها “قانون إعدام الأسرى” الذي يمثل الرهان الأكبر لليمين المتطرف. من الناحية القانونية، يكسر هذا التشريع التقاليد القضائية الدولية التي تحظر تنفيذ أحكام الإعدام في الأراضي المحتلة، وبما أن هذه القوانين تصدر في ظل محاكم عسكرية تفتقر لأدنى معايير النزاهة، فإنها تعني بوضوح تنفيذ عمليات اغتيال سياسي تحت غطاء قضائي، وهو ما يضع سلطات الاحتلال في صدام مباشر مع المادة السادسة من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.
بالتوازي مع ذلك، برز قانون “طرد العائلات” كأحد أقسى أدوات التفكيك الاجتماعي، حيث يسمح بترحيل عائلات الأسرى إلى قطاع غزة أو مناطق أخرى لمجرد ادعاء “العلم المسبق” أو “التأييد”. هذا الإجراء هو تجسيد صارخ لسياسة العقاب الجماعي، حيث يُعاقب الأبرياء على أفعال لم يرتكبوها، وهو ما يمثل جريمة حرب وفقاً للمادة التاسعة والأربعين من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر النقل القسري للسكان تحت الاحتلال. ويتكامل هذا المشهد بقوانين سحب الهوية أو المواطنة من أسرى القدس والداخل، مما يحولهم إلى أشخاص بلا وطن، ويهيئ الأرضية لطردهم نهائياً بعد انقضاء محكوميتهم في خطوة تهدف بوضوح إلى التطهير العرقي الصامت وتغيير الديموغرافيا الجغرافية.
إن هذه القوانين لا يمكن فصلها عن الواقع المأساوي الذي يعيشه الأسرى حالياً؛ فهي تأتي لتعطي حصانة قانونية للسجانين الذين يمارسون سياسات التجويع، ومنع العلاج، والاعتداءات الجسدية، بهدف تحويل السجون إلى مساحة من العدمية القانونية حيث لا رقيب ولا حسيب على حياة الإنسان. كما أن تزامن هذه التشريعات مع محاولات تقويض المنظمات الدولية يوضح وجود خطة استراتيجية شاملة تهدف إلى عزل الفلسطيني تماماً وحرمانه من أي حماية قانونية أو إغاثية.
وإن ما يحدث في الكنيست هو “مذبحة قانونية” تتطلب وقفة جادة من المجتمع الدولي، فالصمت تجاه هذه القوانين هو مشاركة في تقويض أسس القانون الدولي الإنساني. وستبقى قضية الأسرى هي البوصلة التي تشير إلى عدالة القضية الفلسطينية، مؤكدة أن الحرية لا تُسلب بقرار برلماني جائر، بل تُنتزع بصمود الشعوب التي ترفض الانكسار أمام سيف الجلاد وعباءة القانون المزيفة.



