مقالات وآراء

“وساطة القاهرة تنقذ المنطقة.. كواليس تأجيل الضربة الأمريكية”

بقلم ـ أحمد شتيه

في لحظة كانت المنطقة تترقب فيها انفجارًا واسع النطاق، جاء تقرير صحيفة وول ستريت جورنال ليكشف عن تحركات دبلوماسية مصرية هادئة، لكنها بالغة التأثير، ساهمت في تأجيل ضربة أمريكية كانت تستهدف منشآت الطاقة الإيرانية، وفتحت نافذة أمل نحو مسار سياسي قد ينقذ الإقليم من مواجهة مفتوحة.
التقرير لم يأتِ بجديد حول خطورة التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، لكنه سلط الضوء على دور القاهرة الذي غالبًا ما يُدار خلف الكواليس، حيث نجحت مصر في توظيف علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف لاحتواء لحظة كانت قاب قوسين أو أدنى من التحول إلى حرب شاملة.

دبلوماسية اللحظة الحرجة : بحسب ما ورد في التقرير، فإن الاتصالات المصرية لم تكن تقليدية، بل جاءت ضمن تحرك منسق شمل رسائل مباشرة وغير مباشرة إلى كل من واشنطن وطهران، حملت تحذيرات واضحة من تداعيات استهداف منشآت الطاقة الإيرانية، ليس فقط على أمن الخليج، بل على استقرار الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد.
هذا التحرك المصري استند إلى خبرة طويلة في إدارة الأزمات الإقليمية، وقدرة على قراءة المشهد الاستراتيجي بشكل متكامل، خاصة في ظل تداخل ملفات الطاقة، والممرات البحرية، والتوازنات العسكرية في الخليج.

قرار تأجيل الضربة الأمريكية لم يكن وليد الضغوط المصرية فقط، لكنه – وفق قراءة التقرير جاء نتيجة تلاقي عدة عوامل، كان أبرزها التحذيرات من رد إيراني واسع قد يهدد الملاحة في مضيق هرمز، ويشعل أسعار النفط عالميًا.
لكن اللافت أن القاهرة نجحت في تقديم بديل عملي: مسار تفاوضي مؤقت يضمن “تبريد” الجبهة، دون أن يُفهم على أنه تراجع أمريكي أو انتصار إيراني، وهو ما وفر مخرجًا دبلوماسيًا يحفظ ماء وجه الجميع.

التأجيل الأمريكي فتح الباب أمام ما وصفه التقرير بـ”أفق تفاوضي هش”، قد يتحول إلى فرصة حقيقية إذا ما تم البناء عليه إقليميًا ودوليًا.
وهنا يظهر الدور المصري مرة أخرى، ليس فقط كوسيط، بل كضامن محتمل لأي تفاهمات مستقبلية.
القاهرة، التي عززت حضورها في ملفات غزة وليبيا والسودان، تبدو اليوم في موقع يسمح لها بلعب دور محوري في إدارة التوازنات بين القوى الكبرى في المنطقة، مستفيدة من موقعها الجغرافي، وثقلها السياسي، وشبكة علاقاتها المتشعبة.

ما كشفه تقرير وول ستريت جورنال يعيد التأكيد على حقيقة طالما تجاهلها البعض: أن القوة لا تُقاس فقط بالقدرات العسكرية، بل بالقدرة على منع الحروب قبل اندلاعها. ومصر، في هذا السياق، تقدم نموذجًا لدولة تدير نفوذها بعقلانية وهدوء.
لكن التحدي الحقيقي لا يزال قائمًا؛ فالتأجيل لا يعني الإلغاء، والتوتر بين واشنطن وطهران ما زال قابلًا للاشتعال في أي لحظة. ومن هنا، فإن استمرار الدور المصري يتطلب دعمًا إقليميًا ودوليًا، وإدراكًا جماعيًا بأن البديل عن الدبلوماسية هو الفوضى.
في النهاية، قد لا تكون القاهرة قد أنهت الأزمة، لكنها – بلا شك – نجحت في كسب الوقت، وفي عالم الأزمات، أحيانًا يكون “الوقت” هو الفارق بين الحرب والسلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock