
جعل الله العقل ميزانا للأمور ، فلا تستقيم إلا به ، وجعل له اسبابا ياخذ بها، وقوانين يعتمد عليها، اذا التزم بها استقرت الأرض بمن عليها، وتيسرت الحياة لمن يعيشها، أما إذا تخلي عنها ضل وانتشر الفساد في بر الأرض وبحرها
وهذا يتضح في تاريخ هذه الأمة الإسلامية الخالدة ، التي رفعت مكانة العقلُ وموازبنه ، وجعلته أساسا لحضارتها، ونبراسا لنهضتها وسط غياهب المذاهب الفاسدة، التي اتخذت من الجماد والحيوان والإنسان آلهة، فسطروا صفحات من بنات العقل، وساقوا الأدلة الناصعة، لا يريدون شهرة أو أجرا
لقد بذل السلف أعمارهم من أجل القيم لا المال، وسجلوا أفكارهم من أجل الحقيقة لا الوهم والخيال، فحفروا اسماءهم على جدران التاريخ و الزمان، وجاعت بطونهم من أجل إشباع عقولنا، وماتت ابدانهم وبقيت آثارهم شاهدة على علو منزلتهم، وقيمة أفكارهم، وثقل موازينهم، وروعة مواقفهم
فلم يكن ابن تيمية حرا بل سجينا ، ولم يكن ذا راتب ضخم، أو يجلس على مكتب فخم، وامتلأتِ الدنيا من فقهه، فكتب مقولته الخالدة : “السعادة في معاملة الخلق أن تُعاملهم لله”
ونصحنا سفيان الثوري بعدم بيع الدين بدنيا الملوك والولاة، وعدم اخذ العلم من شبكة المعلومات أو ممن تشكون في تدينه ، فقال : “العلمُ دين، فانظروا عمّن تأخذون دينكم”
وعاش ابن القيم خادما لاستاذه، واضعا نصب عينيه ان “من عاشَ على شيء ماتَ عليه” فماتَ على الكتابِ. لا على المنصب . ولم يفكر في المعاش فعاش في ذاكرة الأجيال
وافتى الأئمةُ الأربعة بما يوافق الكتاب والسنة، فيسجنون ويجلدون ولا يقبضونَ درهماً ولا دينارا نظير فتواهم
لأنهم كانوا يعلمون : أن من أخذَ الأجرَ.أُحرِقَ الأثرُ، ومن أكل بدينه فلا تعرف غثه من سمينه، فلم نر منهم من سن قوانين من أجل شهوته، ولم يع أثر ذلك على أمته ، كان الإسلام دينهم والعربيةُ لغتُهم، وأرض العروبة وطنُهم، والمنابر سلاحهم، والكلمة الطيبة وسيلتهم، ماتوا فقراء وخلدوا قيم وموازين امتهم
واعتمد الغزالي الصدق مع الله ميزانا له، وهام في الأرض أربعين سنة هاربا من الشهرة، فاتته راغمة، وزهد الشعراوي في مقعد الوزارة مخافة ان يسيس الدين فارتفع شانه وعلت مكانته بين الناس
هؤلاء جاعوا وسجنوا ليشبع التاريخ بإنتاجهم الفكري ، وماتوا ومازالوا أحياءً في صفحات التاريخ، وفي ذاكرة البشرية
لكن اليوم لا قيم ولا موازين، فصار الأستاذ تاجرا، والأبحاث بضاعة، والعالم ناسخا ولاصقا، والبرلماني مهندسا للقوانين، والمحامي سمسارا، والطبيب جزارا والشهادات العلمية سلعا معروضة للبيع لمن يدفع لا لمن يعرق ويتعلم، لقد بيع كل شيء حتى الضمائر، وأمسى الإنسان مسخا بعدما افَََََََقد كل شيء قيمته وميزانه
لم يعد أمام الأحرار الا الهجرة إلى ارض لا يباع فيها الإنسان بالمناصب ولا بالمال ولا بالنفط والمعادن، التي وضعت في ميزان ذا الزمان، الذي يسجن أمثال ابن حنبل ويقتل المتنبي ويترك السفهاء يحكمون عالمنا والمطربون ينزعون نخوتنا، والسادسة يتفاوضون على مقدرات الشعوب
وليعلم كل ذي عقل، ان التاريخ لم و لن يخلد الأثرياء بل القادة والعلماء، ولن يسجل اََلصفقات المالية ولكن المعاني والقيم الإنسانية، وقد مدح سيد المرسلين بأنه كان على خلق عظيم، فعودوا إلى القيم الخلقية موازين الإنسانية وإلا منعت عنكم الخيرية التي ميزتكم على أجناس البري
ة



