مقالات وآراء

حين ربّى الشارع أبناءنا

بقلم أشرف ماهر ضلع 

 

 

لم تعد المشكلة الكبرى في هذا الزمن أن أبناءنا يخرجون إلى الشارع… بل أن الشارع أصبح يدخل إليهم كل يوم دون استئذان.

يدخل عبر شاشة صغيرة مضيئة، تحمل في ظاهرها التسلية، وفي باطنها إعادة تشكيل كاملة للعقل والذوق والسلوك والقيم.

لقد تغيّر العالم بسرعةٍ أربكت الأسرة نفسها؛ فالأب الذي كان يومًا مصدر الحكمة، صار أحيانًا آخر من يعلم، والأم التي كانت تقرأ ملامح ابنها من صوته، أصبحت تواجه جيلًا يتحدث بلغةٍ صنعتها المقاطع القصيرة والمشاهير العابرون ونجوم “الترند”.

في الماضي، كانت الأسرة تُربي، والمدرسة تُهذّب، والمسجد يُقوِّم، والشارع يخجل من الخطأ.

أما اليوم، فقد اختلطت الأدوار حتى أصبح بعض الشوارع أكثر تأثيرًا من البيت، وبعض المؤثرين أكثر حضورًا من الآباء.

إننا نعيش زمنًا لم يعد فيه الانحراف يبدأ من الأماكن المظلمة فقط، بل من محتوى يُقدَّم في ثوب المرح، ومن أفكارٍ تُغلف بالضحك، ومن سلوكيات تُصدَّر على أنها “حرية شخصية”، بينما هي في حقيقتها تآكلٌ بطيء لجدار القيم.

كثير من الأولاد والبنات لم يعودوا يبحثون عن القدوة، بل عن الشهرة، ولو عبر التفاهة.

صار بعضهم يقيس النجاح بعدد المتابعين لا بعدد الإنجازات، ويقيس القيمة بحجم الضجيج لا بعمق الفكرة.

وهنا تبدأ الكارثة الصامتة.

الإعلام الحديث لم يعد مجرد وسيلة نقل خبر، بل أصبح مصنعًا ضخمًا لإعادة تشكيل الوعي.

فالمشاهد المتكررة تصنع الاعتياد، والاعتياد يصنع القبول، ثم يتحول القبول مع الوقت إلى سلوكٍ طبيعي لا يستنكره أحد.

حين يرى الطفل العنف يوميًا، يعتاده.

وحين ترى الفتاة نماذج الشهرة القائمة على الاستعراض، تبدأ المقارنة القاتلة.

وحين يرى الشاب أن “البلطجة” تمنح أصحابها حضورًا، قد يظن أن الاحترام يُنتزع بالصوت المرتفع لا بالأخلاق.

والمؤلم أن بعض الأسر تظن أن التربية تعني الطعام والملابس والدروس فقط، بينما الحقيقة أن أخطر ما يحتاجه الأبناء اليوم هو “المتابعة”.

ليس التجسس… بل الحضور الحقيقي.

أن يعرف الأب ماذا يشاهد ابنه، ومن يُتابع، وكيف يفكر، وما الذي يخيفه، وما الذي يملأ قلبه.

فكم من بيتٍ فاخر الجدران… فقير الحوار.

وكم من أسرةٍ تجلس تحت سقفٍ واحد، بينما كل فرد يعيش داخل جزيرته الإلكترونية المنعزلة.

لقد أصبح الهاتف أحيانًا أقرب إلى الأبناء من آبائهم، وأصبحت بعض المنصات تُربي أكثر مما تُربي الأسرة نفسها.

وهنا لا يكفي أن نلعن الزمن، بل يجب أن نستعيد دورنا.

إن الأبوة ليست وظيفة مالية، والأمومة ليست خدمة منزلية.

كلاهما رسالة بناء إنسان.

نحن لا نحتاج إلى القسوة بقدر ما نحتاج إلى الاحتواء، ولا إلى الصراخ بقدر ما نحتاج إلى القدوة.

فالابن الذي يرى والده صادقًا يتعلم الصدق دون خطبة، والبنت التي ترى أمها محترمة لن تحتاج ألف محاضرة عن الاحترام.

كما أن المؤسسات التعليمية والإعلامية مطالبة اليوم بأن تدرك حجم الخطر.

فالمجتمع الذي يُسلّم أبناءه للتفاهة، ثم ينتظر جيلًا واعيًا، يشبه من يزرع الشوك وينتظر الورد.

ولأننا أمةٌ لها جذورٌ أخلاقية ودينية، فإن العودة إلى القيم ليست رفاهية، بل ضرورة نجاة.

لقد جعل الإسلام الأسرة حصنًا، وجعل الكلمة أمانة، وجعل تربية الأبناء مسؤولية يُسأل عنها الإنسان قبل أن يُسأل عن كثير من أموره.

قال رسول الله ﷺ:

“كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته”.

وما أحوجنا اليوم إلى آباء يُصغون قبل أن يُعاقبوا، وأمهات يُربّين بالحب قبل الخوف، وإعلامٍ يصنع الوعي بدل أن يبيع الضجيج.

إن معركة هذا العصر ليست فقط معركة اقتصاد أو سياسة… بل معركة وعي وهوية.

فإما أن نُعيد أبناءنا إلى دفء القيم، أو نتركهم فريسةً لرياحٍ لا ترحم.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock