المدونة

الضربة ال31 الصدمة

بقلم الدكتور/محسن رجب جودة

في تلك الليلة، لم يكن البرد قابعاً في طقس فبراير فحسب، بل كان يتسلل من نظرات “شريف” ليمزق ما تبقى من دثار الأبوة في قلب “كمال”.
ثلاثون صفعة لم تكن مجرد اعتداء جسدي، بل كانت ثلاثين طلقة رحمة أطلقها الابن على ذكريات طفولته، على هزهزات المهد، وعلى عرق السنين الذي صبّه الأب ليصنع منه “رجلاً”؛ فإذا به يصنع “مسخاً”.
‏كانت “نيرمين” تراقب المشهد ببرود أفعى، تبتسم بزهو المنتصر وهي ترى الجبل الذي طالما احتمت بظله يتهاوى تحت ضربات طفلها المدلل. لم يدركوا أن “كمال” المهندس، الذي صمم كباري تربط الضفتين، كان في تلك اللحظة يحرق آخر جسر يربطه بدمه.
‏سكون ما قبل العاصفة
‏خرج كمال من الفيلا، والدم يقطر من شفته ليختلط بتراب الأرض التي دفع ثمنها يوماً قطرة قطرة. ركب سيارته “السيدان” القديمة، تلك التي كانت تخجلهم أمام أصحاب “المرسيدس”. نظر في المرآة، رأى وجهه المتورم، لكن عينيه كانت تلمع بوضوح مرعب. لم يبكِ.. فالدموع خلعها الحزن، ولم يبقَ إلا “الحساب”.
‏”هناك نوع من الصمت لا يعني الاستسلام، بل يعني أن المعركة قد انتهت بالفعل في العقل، وما تراه الآن هو مجرد إجراءات الدفن.”
‏في الصباح، كان شريف يجلس خلف مكتبه الفخم، يرشف قهوته بزهو، ظاناً أن ضرب والده كان “شهادة ميلاد” لسيادته المطلقة.
لم يدرك أن والده، “الحاج كمال”، كان يمسك بقلم “مون بلان” قديماً، يوقع به صك النهاية.
‏بينما كانت نيرمين تختار أثاثاً جديداً لغرفة الاستقبال، كان هناك رجل أعمال شاب يقف أمام بوابة الفيلا ومعه قوة من “أمن خاص” ومحامٍ يحمل أوراقاً مختومة بختم الدولة.
‏رن جرس الباب..
‏فتحت نيرمين وهي تتأفف من “إزعاج الصباح”.
‏”أفندم؟ مين حضرتك؟”
‏رد الرجل ببرود: “أنا المالك الجديد للفيلا، ومعايا أمر إخلاء فوري.. قدامكم ساعتين والمنقولات تكون في الشارع.”
‏سقط فنجان القهوة من يد شريف حين أتاه صوت نيرمين الصارخ عبر الهاتف. طار بسيارته إلى التجمع، دخل الفيلا ليرى الغرباء يجردون الجدران من هيبتها.
صرخ بشجن: “دي بيتي! دي ملكي! أبويا ادهالي!”
‏أخرج المحامي ورقة واحدة، كانت كفيلة بأن تجعل الأرض تدور برأس شريف: (عقد بيع نهائي من شركة كمال للمقاولات إلى السيد…).
‏في تلك اللحظة، رن هاتف شريف. كان المتصل هو “الرجل العجوز”.
‏فتح الخط وصوته يرتجف: “يا بابا.. إيه اللي بيحصل؟ فيه ناس بترميني في الشارع!”
‏جاءه صوت كمال هادئاً كالبحر، صلباً كالفولاذ:
‏”يا شريف.. أنا مابعتش البيت. أنا بعت ‘الغلطة’ اللي عملتها لما افتكرت إن الفلوس بتعمل أصل. القلم الـ 30 اللي ضربتهوني كان تمنه الغرفة اللي إنت واقف فيها دلوقتي. والدم اللي سال من بوقي، غسل كل حتة ‘حنية’ كانت متبقية لك عندي.”
‏تابع كمال ونبرته تخلو من أي غضب:
‏”البيت اللي كنت فاكره ملكك، كان مجرد ‘اختبار’. والنهاردة، المشتري الجديد استلم مفاتيحه.. أما إنت، فاستلم ‘درسك’. الشارع واسع يا شريف.. جرب تبني فيه طوبة واحدة بعرقك، يمكن وقتها تعرف يعني إيه ‘أب’.”
‏الخاتمة
‏أغلق كمال الخط، ووضع هاتفه في جيبه، ثم انطلق بسيارته القديمة نحو الكورنيش. تنفس بعمق، وشعر لأول مرة منذ سنوات أن ثقل الجبال قد انزاح عن صدره.
‏أما شريف، فقد وقف على الرصيف، يرى حقائبه تُلقى بجانبه، ونيرمين تصرخ في وجهه محملة إياه الفشل.. أدرك حينها أن الصفعة التي وجهها لوالده، ارتدت لتهدم حياته بالكامل.
‏لقد تعلم شريف الدرس متأخراً: “من يكسر عكاز أبيه، يسقط في أول حفرة تقابله.”

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock