صحف وتقارير

اتفاق واشنطن وطهران… مكاسب وخسائر ووزن العرب

بقلم أشرف ماهر ضلع 

 

 

في السياسة، لا تُوقَّع الاتفاقات بالحبر وحده، بل بموازين القوة، وبأصابع خفية تحرّك رقعة شطرنج تمتد من مضيقٍ إلى آخر. وأيّ تفاهمٍ بين واشنطن وطهران، مهما بدا تقنيًا أو مرحليًا، يحمل في طيّاته ما هو أبعد من بنودٍ مكتوبة؛ إنه إعادة ترتيب للهواء نفسه الذي تتنفسه المنطقة.

أولًا: ما الذي تكسبه إيران؟

تدخل طهران إلى أي اتفاقٍ وهي تبحث عن ثلاثيةٍ واضحة: الاقتصاد، والشرعية، والنفوذ.

على الصعيد الاقتصادي، يفتح تخفيف العقوبات نوافذ كانت موصدة، فتتنفس العملة، وتدور عجلة النفط، ويعود رأس المال المتحفّز.

سياسيًا، يمنحها الجلوس مع واشنطن اعترافًا ضمنيًا بوزنها الإقليمي، فتتحول من “ملف” إلى “طرف”.

إقليميًا، تكرّس حضورها في ساحات النفوذ، مستفيدة من أي هدنة أو تهدئة لتثبيت أوراقها على الأرض.

لكن المكسب ليس مطلقًا؛ فكل تنازلٍ تقني أو رقابي في ملفات حساسة يضع قيودًا على الحركة، ويُبقي باب الضغط مفتوحًا متى تغيّر المزاج الدولي.

ثانيًا: ماذا تربح الولايات المتحدة؟

واشنطن لا تبحث عن صداقة بقدر ما تسعى إلى إدارة المخاطر:

تقليص احتمالات الانفجار العسكري في منطقةٍ تتقاطع فيها خطوط الطاقة والتجارة.

ضبط الإيقاع النووي بما يمنع القفزات المفاجئة، ويُبقي الملف تحت سقف يمكن مراقبته.

التفرّغ لملفات دولية أخرى، عبر تبريد جبهةٍ طال اشتعالها.

غير أن هذا الربح يحمل كلفةً سياسية، إذ يثير قلق حلفاء يرون في أي تقاربٍ مع طهران إعادة توزيعٍ للضمانات، وربما إشارة إلى تغيّر الأولويات.

ثالثًا: الخسائر… حين يدفع الجميع ثمن “نصف الحل”

الاتفاقات المرحلية تُشبه جسورًا مؤقتة: تُسعف العبور، لكنها لا تُنهي الرحلة.

قد تُبقي جذور الخلاف حيّة، فتتحول الهدنة إلى استراحة محارب لا أكثر.

تُغري الأطراف بقراءةٍ انتقائية للمكاسب، ما يفتح باب التوتر عند أول اختبار.

وتُدخل المنطقة في “زمنٍ رمادي”، لا حرب فيه ولا سلام مكتمل، بل توازن هشّ قابل للاهتزاز.

رابعًا: أين يقف العرب؟ وزنٌ بين الإمكان والتفعيل

العرب ليسوا تفصيلًا على هامش هذه المعادلة؛ جغرافيتهم قلبُ الممرات، وطاقتهم شريان الأسواق، ومجتمعاتهم خط التماس الأول مع أي ارتداد. لكن الوزن لا يُقاس بالقدرة فقط، بل بمدى تحويلها إلى موقفٍ موحّد.

حين تتكامل الرؤى، يصبح للعرب صوتٌ تفاوضي قادر على حماية المصالح، من أمن الطاقة إلى استقرار الممرات البحرية.

وحين تتباعد الأولويات، تتسع الفجوات التي تتسلل منها حسابات الآخرين.

المطلوب ليس الاصطفاف مع طرفٍ ضد آخر، بل بناء مقاربة عربية تُمسك بميزان المصالح: تهدئةٌ تحفظ الاستقرار، وسيادةٌ لا تُساوَم، وتنميةٌ لا تُؤجَّل.

خامسًا: سيناريوهات ما بعد الاتفاق

تهدئة ممتدة: تُترجم إلى استقرار نسبي في أسواق الطاقة، ومساحاتٍ أوسع للدبلوماسية.

تعثر مرحلي: يعيد لغة التصعيد، ويرفع منسوب المخاطر في نقاط التماس.

إعادة تفاوض: حيث تتحول البنود إلى منصةٍ لجولاتٍ جديدة، قد تكون أكثر تعقيدًا.

خاتمة: بين الممكن والمأمول

ليس كل اتفاقٍ سلامًا، ولا كل خلافٍ حربًا. وبينهما مساحةٌ واسعة تُدار فيها المصالح بعقلٍ بارد وقلبٍ يقظ. في تلك المساحة، يُكتب مستقبل المنطقة: إمّا أن يكون العرب شركاء في صياغته، أو متلقّين لنتائجه.

السياسة، في نهاية المطاف، ليست قدرًا أعمى؛ إنها فنّ تحويل القلق إلى فرصة، والارتباك إلى بوصلة. ومن يمتلك البوصلة… لا يضيع في بحر التحولات.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock