بين غياب الاستراتيجية وثقل التبعات .. تفكيك العجز الأوروبي في الشرق الأوسط
بقلم د-أحمد ابراهيم حنفي

على مدى عقود، ظل الشرق الأوسط بمثابة “الاختبار الحتمي” للسياسة الخارجية والوجدان الأمني للاتحاد الأوروبي. فالقرب الجغرافي ليس مجرد مسافة على الخريطة، بل هو خط تماس مباشر تتدفق عبره ارتدادات أي زلزال سياسي أو عسكري في المنطقة — سواء على شكل موجات هجرة غير مسبوقة، أو تهديدات أمنية عابرة للحدود، أو اضطرابات تعصف بسلاسل إمداد الطاقة العالمية.
ومع ذلك، يقف المراقب للمشهد اليوم أمام مفارقة صارخة: بينما تحترق ملفات الشرق الأوسط من غزة ولبنان إلى البحر الأحمر وسوريا، يبدو الاتحاد الأوروبي في حالة من “الشلل الاستراتيجي”، مكتفيًا بدور “الممول لإعادة الإعمار” أو “المعلق الدبلوماسي”، تاركًا مقاعد القيادة وصياغة الخرائط للقوى الدولية الأخرى كواشنطن وموسكو وبكين، أو القوى الإقليمية الصاعدة.
فأين يقع الاتحاد الأوروبي حقًا من معضلات الشرق الأوسط؟ ولماذا يعجز هذا العملاق الاقتصادي عن التحول إلى لاعب سياسي حاسم؟
أولًا: عقم “الإجماع” وتشتت البوصلة الداخلية
العقبة الأولى والأكثر عمقًا في هيكلية الاتحاد الأوروبي هي مبدأ الإجماع (Unanimity) في صياغة السياسة الخارجية والوجداد الأمني المشترك. هذا المبدأ يحول دون اتخاذ مواقف حاسمة وسريعة، ويجعل الموقف الأوروبي رهينة لأقل قاسم مشترك بين 27 دولة عضو.
في ملفات الشرق الأوسط الحساسة، لا يملك الأوروبيون رؤية موحدة، بل تحكمهم انقسامات تاريخية وثقافية ومصلحية حادة:
عقدة التاريخ والذنب: تندفع دول مثل ألمانيا والنمسا والتشيك نحو تبني مواقف شديدة الدعم لإسرائيل مدفوعة بإرث تاريخي معقد، مما يجعلها ترفض أي ضغوط أو عقوبات حقيقية على تل أبيب حتى في ذروة الأزمات الإنسانية.
المقاربة الحقوقية والبراغماتية: في المقابل، تبدي دول مثل إسبانيا، أيرلندا، وبلجيكا مواقف أكثر تضامنًا مع الحقوق الفلسطينية وتدعو علنًا إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية وفرض قيود على صادرات السلاح لإسرائيل.
المصالح الجيوسياسية الخاصة: دول كفرنسا وإيطاليا تنظر للشرق الأوسط (وخاصة لبنان وشمال إفريقيا) من منظور نفوذ تقليدي ومصالح طاقة غازية ونفطية، مما يجعل تحركاتها الفردية أحيانًا تتعارض مع التوجه العام لبروكسل.
هذا التشرذم يجعل البيانات الأوروبية تخرج باهتة، متأخرة، ومليئة بالصيغ الدبلوماسية المطاطية التي لا تقدم ولا تؤخر في موازين القوى على الأرض.
ثانيًا: متلازمة “العملاق الاقتصادي والقزم السياسي”
يُعرف الاتحاد الأوروبي في أدبيات العلوم السياسية بأنه “أكبر مانح للمساعدات الإنسانية والتنموية في العالم”، لكن هذه القوة المالية لا تترجم إلى نفوذ سياسي (Payload).
في القضية الفلسطينية، يعد الاتحاد الأوروبي الممول الأساسي للسلطة الفلسطينية ولوكالة الأونروا، والمساهم الأكبر في مشاريع البنية التحتية. ومع ذلك، عندما يحين وقت التفاوض السياسي أو فرض شروط لوقف الاستيطان أو إنهاء النزاع، تجد بروكسل نفسها مستبعدة تمامًا. القوى الفاعلة على الأرض (إسرائيل، الفصائل، القوى الإقليمية) تأخذ الأموال الأوروبية لإدارة الأزمات، لكنها تذهب إلى واشنطن أو الوسطاء الإقليميين لصناعة الحلول أو الصفقات.
هذا الفصل بين “الشيك” المالي والقرار السياسي رسّخ دور أوروبا كـ “ممرض إنساني” ينظف آثار الحروب، بدلًا من كونه “مهندسًا” يمنع وقوعها.
ثالثًا: التبعية الاستراتيجية لواشنطن وانكشاف أمن الطاقة
لا يمكن فهم الغياب الأوروبي بمعزل عن مظلة الأمن الأمريكية (الناتو). لعقود، ارتضت أوروبا الاعتماد على الولايات المتحدة لإدارة ملفات الأمن الصلب في الشرق الأوسط وحماية الممرات المائية. هذا الاعتماد سلب أوروبا القدرة على المبادرة المستقلة.
عندما تحركت أوروبا بشكل مستقل نسبيًا، كما حدث في إبرام الاتفاق النووي الإيراني (JCPOA) عام 2015، عجزت عن حمايته بمجرد أن قررت واشنطن الانسحاب منه عام 2018، حيث فشلت الآليات المالية الأوروبية البديلة (مثل إنستكس) في مواجهة العقوبات الأمريكية، مما أثبت لخصوم وحلفاء أوروبا في الشرق الأوسط أن بروكسل لا تملك قرارها السيادي كاملاً في مواجهة واشنطن.
علاوة على ذلك، فإن أزمة الطاقة التي عصفت بأوروبا أعادت ترتيب أولويات دولها؛ فأصبح استرضاء الدول المنتجة للنفط والغاز في الخليج وشرق المتوسط أولوية قصوى لتأمين البدائل، مما جعل الدبلوماسية الأوروبية تتجنب أي مواقف سياسية قد تثير حفيظة هذه العواصم.
رابعًا: من الهجوم الاستراتيجي إلى “الدفاع عن الحدود”
تحول النهج الأوروبي تجاه الشرق الأوسط من محاولة “نشر الديمقراطية والشراكة اليورومتوسطية” (كما كان الحال في تسعينيات القرن الماضي وبدايات الربيع العربي) إلى نهج “أمني دفاعي محض” محكوم بملفين أساسيين: الهجرة غير الشرعية ومكافحة الإرهاب.
هذا التحول البراغماتي جعل الاتحاد الأوروبي يفضل “الاستقرار الهش” على حساب المبادئ؛ حيث باتت بروكسل مستعدة لتقديم الدعم المالي والسياسي للحكومات القائمة مقابل لعب دور “حرس الحدود” لمنع تدفقات المهاجرين نحو الشواطئ الأوروبية. هذا المنظور الضيق أفقد أوروبا مصداقيتها كقوة ناعمة تبشر بحقوق الإنسان، وحوّلها في نظر شعوب المنطقة إلى طرف يبحث عن أمنه الخاص فقط دون الاكتراث بجذور المشاكل السياسية والاقتصادية للشرق الأوسط.
خاتمة: هل من أمل في يقظة جيوسياسية أوروبية؟
إن الشرق الأوسط لا يقبل الفراغ، وغياب النفوذ الأوروبي الفاعل لم يترك المنطقة بلا بوصلة، بل سمح لخصوم أوروبا الاستراتيجيين (روسيا والصين) بملء الفراغ، وبناء تحالفات متينة تُقصي الغرب تدريجيًا من معادلات الشرق الأوسط الجديد.
إذا أراد الاتحاد الأوروبي أن يتجاوز دور “المتفرج المتأثر”، فإن الخطوة الأولى تبدأ من إصلاح آليات اتخاذ القرار بتبني نظام التصويت بالأغلبية المؤهلة في السياسة الخارجية بدلاً من الإجماع القاتل، وبناء استقلال استراتيجي أوروبي حقيقي يملك أدوات ردع صلبة (اقتصادية وعسكرية).
وحتى يتحقق ذلك، سيبقى الاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط بمثابة قارب دبلوماسي يتقاذفه موج الأزمات، يملك الكثير من القلق والنوايا الحسنة، لكنه لا يملك بوصلة القيادة ولا قوة التغيير.



