مقالات وآراء

أدبيّات الحروب… حين تتقدّم اللغة على المدافع

بقلم: أشرف ماهر ضلع

 

في الحروب، لا تتقدّم الجيوش وحدها… تتقدّم معها لغةٌ كاملة، تُعيد صياغة العالم وفق إيقاع الرصاص. هناك، على حوافّ الاشتعال، تُكتب نصوصٌ غير منشورة: بياناتٌ تتأنّق بالضرورة، وخطاباتٌ تُغلّف القوة بعباراتٍ من حرير، وكأن الكلمات تحاول أن تُهذّب حدّة النار، أو على الأقل تمنحها مبررًا أخلاقيًا.

أدبيّات الحرب ليست زينةً لغوية، بل هي ساحةٌ موازية للمعركة. فيها تُصاغ المفاهيم: “الردع”، “الضربة الاستباقية”، “حماية الأمن القومي”، “الدفاع المشروع”. كلمات تبدو كأنها دروعٌ شفافة، تخفي وراءها حساباتٍ باردة، وتوازناتٍ لا تعرف العاطفة. إنها اللغة التي تُعيد تعريف الخسارة، فتجعلها “أثرًا جانبيًا”، وتُبدّل معنى الألم ليغدو “ثمنًا ضروريًا”.

في المشهد المتشابك بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، تتجلّى هذه الأدبيّات بوضوحٍ لافت. كل طرف يكتب روايته الخاصة، لا بالحبر، بل بالمصطلحات.

إيران تُقدّم خطاب “السيادة والردّ”، وتُلبس تحرّكاتها عباءة الدفاع عن الكرامة الوطنية.

إسرائيل تُعيد تدوير مفردات “الأمن الوجودي”، وتُحيل كل ضربة إلى ضرورةٍ لا بدّ منها.

أما الولايات المتحدة، فتقف في منتصف السرد، تُمسك بالخيوط وتُدير المشهد بلغة “الاستقرار الإقليمي” و”حماية الحلفاء”، كمن يكتب نصًا مفتوحًا على احتمالاتٍ متعددة.

لكن، وبين هذه السرديات المتقابلة، تضيع الحقيقة كحرفٍ سقط من جملةٍ مزدحمة. فالحرب، في جوهرها، لا تعترف بالبلاغة… هي فعلٌ خشن، مهما تأنّقت لغته. غير أن الأدبيّات تُبقي على وهم النظام داخل الفوضى، وتمنح العالم إطارًا لفهم ما لا يُحتمل.

ولعل أخطر ما في أدبيّات الحروب أنها لا تُخاطب العدو فقط، بل تُعيد تشكيل وعي الشعوب. فالمواطن، وهو يتلقّى هذه اللغة المصقولة، يجد نفسه داخل روايةٍ مكتملة: فيها البطل، وفيها الخصم، وفيها مبررات لا تُناقش. وهنا، تتحوّل الكلمة إلى سلاحٍ ناعم، لا يُحدث دويًا، لكنه يترك أثرًا عميقًا في العقول.

إن الصراع بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة ليس مجرد مواجهة عسكرية محتملة أو قائمة، بل هو صراع نصوصٍ بقدر ما هو صراع قوى. كل طرف يسعى لاحتكار المعنى، قبل أن يحتكر الأرض. وفي زمنٍ تتسارع فيه الأحداث، تبقى الكلمة هي الجندي الأول… تسبق الطلقة، وتمهّد لها، وربما تبرّرها.

في النهاية، قد تتوقف المدافع يومًا، لكن أدبيّات الحرب تظلّ حاضرة، تُعيد سرد ما حدث، وتُعيد ترتيب الذاكرة. فالحروب لا تنتهي عندما يصمت السلاح… بل عندما تفقد الكلمات قدرتها على إشعال

ها من جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock