
رجل في عقده الخامس، من أبناء الطبقة المتوسطة، يعمل موظفًا عامًا في إحدى الوزارات. عرفه الجميع بالالتزام وحسن السيرة.
كان يعشق موسيقى الناي، ويجد فيها متنفسًا من ضغوط الحياة. أب لثلاث بنات في المرحلة الجامعية، وزوج لامرأة شاركته رحلة عمر طويلة بكل ما فيها من مسؤوليات وأحلام.
لم يكن يتخيل أن يجد نفسه يومًا خلف القضبان، متهمًا في قضية تزوير.
كانت لحظة قاسية عليه.
لم يكن يرى أمامه أوراق القضية بقدر ما كان يرى سنوات عمره تمر أمام عينيه؛ سنوات قضاها في العمل وخدمة أسرته، حتى وجد نفسه فجأة في مواجهة اتهام يهدد سمعته ومستقبله.
وظل سؤال واحد يتردد في داخله:
أنا أخطأت… فهل أصبحت مزورًا؟
صعد القضاة إلى المنصة، وامتلأت القاعة بنظرات القلق والترقب. كانت زوجته تجلس بين الحضور تحاول أن تخفي اضطرابها، بينما كانت بناته الثلاث ينظرن إليه في حيرة وألم.
هذا هو الأب الذي عرفنه طوال حياتهن…
فكيف أصبح متهمًا؟
وبينما كانت المرافعات تتوالى، وقف ذو الرداء الأسود.
وقف المحامي بثبات وقال:
“سيدي الرئيس…
إن المادة 211 من قانون العقوبات تعاقب الموظف العام إذا ارتكب تزويرًا في محرر رسمي، غير أن جريمة التزوير لا تقوم لمجرد وقوع خطأ أو مخالفة إدارية، وإنما تتطلب توافر القصد الجنائي وتعمد تغيير الحقيقة.
وموكلي لم يحقق منفعة لنفسه، ولم يسع إلى الإضرار بأحد، بل تصرف أثناء أداء عمله الوظيفي تنفيذًا لتعليمات صدرت إليه من رئيسه المباشر، معتقدًا أنه يؤدي واجبه على الوجه الصحيح.
ومن ثم نتمسك بانتفاء القصد الجنائي، وهو ركن أساسي لا تقوم الجريمة بدونه.
فليس كل خطأ إداري تزويرًا، وليس كل مخالفة للإجراءات جريمة.”
ساد الصمت في القاعة.
كانت كلمات المحامي تعبر عن الحقيقة التي ظل الرجل متمسكًا بها منذ بداية القضية.
هو لا ينكر الخطأ…
لكنه ينكر أن يكون مزورًا.
وفي تلك اللحظة، رفع القاضي المطرقة القضائية استعدادًا للنطق بالحكم، لكن دقات قلب الرجل كانت أعلى من أي صوت آخر، حتى خُيّل إليه أن القاعة كلها تسمعها.
لحظة اختلط فيها الخوف بالأمل، وانتظر الجميع كلمة الفصل.
وبين رهبة المحكمة وصمت الحضور، ظل السؤال معلقًا:
هل يكفي الخطأ وحده ليصنع مجرمًا؟
أم أن العدالة الحقيقية تبحث عن النية قبل أن تحكم على الأفعال؟
سؤال قد يخص هذا الرجل، لكنه يهم كل من وجد نفسه يومًا متهمًا بما لم يقصده.
أنا أخطأت… فهل أصبحت مزورًا؟



