إكرامُ المعلِّم ماديًّا… استثمارٌ في مستقبل الأوطان لا رفاهيةٌ في زمن الأزمات
بقلم -أشرف ماهر ضلع

كلما أرادت أمةٌ أن تنهض، بدأت من المدرسة. وكلما أرادت حضارةٌ أن تخلِّد اسمها، رفعت من شأن معلمها. فالمعلم ليس موظفًا يؤدي ساعات عملٍ تنتهي بانتهاء اليوم، بل هو صانع العقول، ومهندس القيم، وحارس الهوية، وغارس بذور المستقبل في تربة الأجيال.
ولئن كان الثناء على المعلم خلقًا نبيلًا، فإن الثناء وحده لا يكفي. فالكلمات، مهما بلغت فصاحتها، لا تُغني عن حق، ولا تسد حاجة، ولا ترفع عن كاهل المعلِّم أعباء الحياة. إن الكرامة المادية ليست ترفًا، بل هي الركيزة التي تمنح صاحب الرسالة القدرة على أداء رسالته في طمأنينةٍ وإبداع.
ولم يكن هذا الفهم وليد عصرنا، بل عرفته الأمم منذ فجر التاريخ. ففي مصر القديمة، ارتقى الكاتب والمعلم إلى منزلةٍ سامية، حتى عُدَّ القلم طريقًا إلى المجد، وأصبح التعليم بابًا للمكانة والاحترام؛ لأن المصري القديم أدرك أن بناء المعابد يبدأ ببناء العقول.
وفي الحضارة الإسلامية، كان العلماء والمعلمون موضع عناية الخلفاء والأمراء. فبيت الحكمة في بغداد لم يكن مجرد صرحٍ علمي، بل مؤسسةً تُنفق بسخاء على العلماء والمترجمين، وتوفر لهم أسباب الحياة الكريمة؛ لأن المعرفة لا تزدهر في أرضٍ تُرهقها الحاجة، ولا يثمر الفكر إذا أثقلته هموم المعيشة.
ولم يكن كونفوشيوس، في الصين، يرفع من شأن المعلم بالكلمات وحدها، بل غرس في وجدان المجتمع أن احترام المعلم ورعايته أساس استقرار الدولة، وأن نهضة الأمم تبدأ من الفصل الدراسي، لا من ساحات الصراع.
أما الدول التي تتصدر اليوم مؤشرات التعليم، مثل فنلندا وسنغافورة واليابان، فلم تصل إلى ما وصلت إليه بالمصادفة، وإنما جعلت المعلم في مقدمة أولوياتها؛ تأهيلًا، واحترامًا، ودخلًا كريمًا. لقد أدركت أن الإنفاق على المعلم ليس بندًا في الموازنة، بل استثمارٌ طويل الأجل، يعود على الوطن علمًا، وإنتاجًا، واستقرارًا.
ومن المؤلم أن نطالب المعلم بإعداد جيلٍ ينافس العالم، بينما يواجه هو وحده أعباء الحياة المتزايدة. فكيف يزرع الطمأنينة في نفوس طلابه، وهو يفتقدها؟! وكيف يصنع الإبداع، وهو منشغلٌ بتدبير ضروريات العيش؟!
إن إكرام المعلم ماديًّا ليس منحةً، ولا فضلًا، ولا استجابةً لمطلبٍ فئوي، بل هو اعترافٌ عمليٌّ بقيمة الرسالة التي يحملها. فالمعلم الذي يشعر بالأمان الاقتصادي، يهب فكره لتلاميذه، ويجعل من الفصل الدراسي ورشةً لصناعة الإنسان، لا مجرد قاعةٍ لتلقين المعلومات.
إن الأمم العظيمة لا تُبنى بالإسمنت والحديد وحدهما، وإنما تُبنى بالعقول التي تُحسن التفكير، والضمائر التي تُحسن الاختيار، وهذه العقول لا يصنعها إلا معلمٌ كريمُ النفس، مطمئنُ الحال، عزيزُ الكرامة.
فلنكفَّ عن الاكتفاء بالشعارات، ولنحوِّل كلمات التقدير إلى سياساتٍ عادلة، ورواتبَ تحفظ الكرامة، وحوافزَ تليق بصاحب الرسالة. فحين نكرم المعلم ماديًّا، فإننا لا نمنحه مالًا فحسب، بل نمنح الوطن مستقبلًا أكثر إشراقًا، ونكتب في سجل الحضارة أن أمةً عرفت قيمة من علَّم أبناءها، فاستحقت أن تُعلِّم العالم كيف تُبنى الأمم.



