
الحمد لله الذي جعل الأعمار رأس مال الإنسان، وأقسم بالزمان تنبيهًا إلى عظيم شأنه، فقال: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: 1-2]. والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ القائل: «اغتنم خمسًا قبل خمس…».
ومن أخطر أمراض القلوب التي تُصيب الإنسان مرض طول الأمل؛ فهو يجعل صاحبه يؤجل التوبة، ويسوّف الطاعة، ويغفل عن حقيقة الموت، حتى يفاجئه الأجل وهو غارق في أحلام المستقبل، وقد ضيّع حاضره.
إن طول الأمل ليس مجرد التخطيط للمستقبل، فالإسلام يحث على الأخذ بالأسباب، وإنما المقصود هو الانشغال بالدنيا مع نسيان الآخرة، وتسويف التوبة والعمل الصالح.
أولًا: ما هو طول الأمل؟:
طول الأمل هو تعلق القلب بالدنيا، والاعتقاد الضمني بأن العمر سيطول، حتى يؤخر الإنسان التوبة، ويؤجل الطاعات، ويغفل عن الاستعداد للقاء الله.
قال الإمام ابن الجوزي:
“أصل فساد القلب من طول الأمل؛ فإنه يورث الكسل عن الطاعة، والتسويف بالتوبة.”
ثانيًا: الأدلة من القرآن الكريم:
قال تعالى:﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾،[الحجر: 3]
وقال سبحانه:﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾،[الأنبياء: 1]
وقال جل وعلا:
﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾
[المؤمنون: 99-100]ثالثًا: الأدلة من السنة النبوية:
قال رسول الله ﷺ:
«اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك.»،(رواه الحاكم، وصححه جمع من أهل العلم).
وقال ﷺ:
«كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل.»
(رواه البخاري).
ورسم النبي ﷺ مربعًا وخطوطًا، ثم قال مبينًا حقيقة الإنسان مع الأمل، وأن الأجل أقرب إليه من آماله”.(رواه البخاري).
رابعًا: أعراض مرض طول الأمل:
كثرة التسويف في التوبة.
تأخير الصلاة والطاعات.
الانشغال المفرط بجمع المال.
الغفلة عن ذكر الموت.
ضعف المحاسبة للنفس.
تأجيل الأعمال الصالحة إلى “غدًا”.
الركون إلى الدنيا ونسيان الآخرة.
خامسًا: أسباب المرض:
الغفلة عن القرآن.
نسيان الموت والقبر.
صحبة أهل الدنيا.
الانشغال بالماديات.
اتباع الهوى.
ضعف الإيمان بالآخرة.
الأمن من مكر الله.
سادسًا: آثار طول الأمل:
قسوة القلب.
تأخير التوبة حتى يفجأه الموت.
ضياع العمر فيما لا ينفع.
كثرة الذنوب.
ضعف الاستعداد للقاء الله.
الحسرة والندامة عند الموت.
سابعًا: العلاج:
الإكثار من ذكر الموت.
المبادرة بالتوبة وعدم التسويف.
المحافظة على الصلوات والطاعات.
صحبة الصالحين.
قراءة القرآن بتدبر.
محاسبة النفس يوميًا.
تذكر أن الأعمار بيد الله، ولا أحد يضمن أن يعيش إلى الغد.
الإكثار من الدعاء: اللهم أحسن خاتمتنا، واجعل خير أعمالنا خواتيمها.
ثامنًا: أقوال العلماء:
١)قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
“إن أخوف ما أخاف عليكم اثنتان: اتباع الهوى وطول الأمل؛ فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة.”
٢)وقال الحسن البصري رحمه الله:
“ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل.”
٣)وقال الإمام ابن القيم رحمه الله:
“إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن الموت يقطعك عن الدنيا، وإضاعة الوقت تقطعك عن الله.”
الخاتمة:
إن العمر هو رأس مال الإنسان، وكل يوم يمضي لا يعود أبدًا. والعاقل هو من يعيش يومه بطاعة الله، ويجعل أمله في رحمة ربه لا في طول بقائه في الدنيا. فمن بادر بالتوبة، وأحسن العمل، واستعد للقاء الله، سعد في دنياه وأخراه.
فلنحذر من التسويف، ولنجعل شعارنا قول الله تعالى:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾، [الذاريات: 50].
نسأل الله تعالى أن يرزقنا قلوبًا حية، وأعمارًا عامرة بالطاعة، وأن يختم لنا بالحسنى، ويجعل خير أيامنا يوم لقائه.
المراجع العربية :
١)القرآن الكريم.
٢)صحيح البخاري.
٣)صحيح مسلم.
٤)ابن القيم، الفوائد.
٥)ابن الجوزي، صيد الخاطر.
٦)الإمام الغزالي، إحياء علوم الدين.
٧)ابن رجب الحنبلي، جامع العلوم والحكم.



