مقالات وآراء

ضوابط النسخ الشرعى

بقلم - كامل عبد القوى النحاس

بعد أن تبين لنا أن العلماء لم يكونوا يسارعون إلى القول بالنسخ، وأنهم كانوا يقدمون الجمع بين الأدلة كلما أمكن، يبرز سؤال لا غنى عنه لفهم هذا الباب كله:

 

إذا كان النسخ ليس هو الطريق الأول عند العلماء، فمتى يحكمون بأن النسخ قد وقع فعلًا؟

 

وهل يكفي أن يرى الباحث اختلافًا بين نصين حتى يقول: هذا ناسخ، وهذا منسوخ؟

 

والجواب: لا.

 

بل إن علماء الإسلام أحاطوا النسخ بسياج من الضوابط الدقيقة، حتى لا يُرفع حكم شرعي إلا بدليل معتبر، يقوم على أساس علمي راسخ.

 

ولم يكن ذلك تشددًا في غير موضعه، وإنما لأن النسخ ليس مجرد تفسير لنص أو ترجيح بين معنى ومعنى، بل هو إخبار بأن حكمًا شرعيًا قد انتهى زمن العمل به، وأن الله سبحانه قد نقل عباده من حكم إلى حكم آخر تقتضيه حكمته ورحمته.

 

ولهذا كان القول بالنسخ من أخطر الأحكام العلمية؛ لأنه لا يتعلق بفهم آية أو حديث فحسب، وإنما يتعلق بتحديد نهاية مرحلة تشريعية وبداية مرحلة أخرى.

 

ومن هنا نفهم لماذا كان العلماء يتحرجون من إطلاق كلمة:

“منسوخ” ؟؟

 

فهذه الكلمة ليست وصفًا تفسيريًا عابرًا، بل شهادة علمية بأن حكمًا شرعيًا قد انتهى زمن العمل به، ولا يملك أحد أن يشهد بذلك إلا ببينة واضحة ودليل معتبر.

 

ولهذا كان الاحتياط في إثبات النسخ من تمام تعظيم الوحي، لا من باب التشدد في الاجتهاد.

 

ومن هنا قرر العلماء قاعدة عظيمة:

 

الأصل بقاء الحكم حتى يثبت نسخه.

 

فكما أن الأصل في العقود الصحة حتى يثبت ما يبطلها، والأصل في الذمم البراءة حتى يقوم الدليل على شغلها، فكذلك الأصل في الأحكام الشرعية أنها باقية مستمرة، ولا يقال بانتهائها إلا بدليل صحيح.

 

ولهذا لم يكن النسخ بابًا مفتوحًا لكل من رأى اختلافًا في ظاهر النصوص، وإنما كان بابًا لا يدخله إلا من أحاط بالنصوص، وعرف أسباب نزولها، ووقف على تاريخها، وأدرك مقاصدها، واستفرغ وسعه في الجمع بينها.

 

ومن خلال استقراء كلام الأصوليين والمفسرين، نجد أنهم وإن اختلفت عباراتهم في التفصيل، فإنها تلتقي عند مجموعة من الضوابط الكبرى، متى اجتمعت صح القول بالنسخ، وإذا تخلف واحد منها، سقطت دعوى النسخ من أصلها.

 

وليس المقصود من هذه الشروط تعقيد الوصول إلى الحكم، أو التضييق على الباحث، وإنما المقصود حماية النصوص من أن يُرفع حكم شرعي بغير دليل؛ لأن النسخ ليس مجرد اجتهاد في فهم المعنى، بل حكم يتعلق بانتهاء مرحلة تشريعية كاملة.

 

ولهذا كان الاحتياط فيه علامة على قوة المنهج، لا على ضعفه.

 

أولًا: ثبوت النصين ثبوتًا صحيحًا

أول ما اشترطه العلماء أن يكون النصان ثابتين ثبوتًا صحيحًا.

 

فلا يجوز أن يُدَّعى النسخ اعتمادًا على رواية ضعيفة، ولا أن يُقال إن حديثًا لم تثبت صحته رفع حكمًا دل عليه القرآن أو السنة الصحيحة.

 

وذلك لأن النسخ حكم شرعي بالغ الخطورة، والأحكام العظيمة لا تبنى إلا على أدلة ثابتة.

 

ولهذا بذل علماء الحديث جهودًا جبارة في تمحيص الأسانيد، وتمييز الصحيح من الضعيف، لأن صحة الرواية هي الأساس الذي يبنى عليه كل استدلال.

فإذا لم يثبت أحد النصين، انتهى البحث قبل أن يبدأ، وسقطت دعوى النسخ من أساسها.

 

وهنا تظهر دقة المنهج الإسلامي؛ فالعالم لا يبدأ بالسؤال:

 

كيف نوفق بين النصين؟

 

بل يبدأ بسؤال أسبق:

 

هل ثبت النص أصلًا؟

 

لأن البناء العلمي لا يقوم على روايات غير موثقة، ولا على احتمالات لا سند لها.

 

ثانيًا: وجود تعارض حقيقي لا ظاهري

ليس كل ما يبدو مختلفًا يكون متعارضًا.

 

فقد رأينا في المحاور السابقة أن كثيرًا مما يظنه الناس تعارضًا إنما يزول بالنظر في السياق، أو السبب، أو اختلاف الأحوال، أو بحمل العام على الخاص، أو المطلق على المقيد.

 

ولهذا اشترط العلماء أن يكون التعارض حقيقيًا، لا مجرد تعارض في الظاهر.

بل إن القاعدة الكبرى عند علماء الإسلام أن التعارض الحقيقي بين نصوص الوحي متعذر في الأصل؛ لأن مصدرها واحد، والله سبحانه لا يتناقض كلامه ولا يختلف حكمه.

 

وإنما يقع الإشكال في فهم المجتهد، أو في ظاهر الدلالة، أو في عدم جمع النصوص كلها في إطار واحد.

 

أما إذا أمكن حمل كل نص على معنى صحيح يعمل به، فلا يجوز العدول إلى النسخ.

 

ومن هنا كانت دعوى النسخ آخر ما يخطر ببال العالم المحقق، لا أول ما يتبادر إليه.

 

فالنسخ لا يكون إلا بعد أن تُغلق جميع أبواب الجمع.

 

ثالثًا: تعذر الجمع بين النصين

وهذا الشرط هو ثمرة ما سبقه.

 

فإذا أمكن الجمع، امتنع النسخ.

 

ولذلك قرر العلماء قاعدتهم المشهورة:

 

“إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما.”

 

فكل نص من الوحي جاء لهداية الناس، والعمل بالنصين معًا أولى من إسقاط أحدهما.

 

ولهذا بذل الأئمة جهودًا عظيمة في الجمع بين الأدلة، حتى أصبحت كتب التفسير والحديث والفقه مليئة بالنماذج التي تكشف كيف تتكامل النصوص، ويبين بعضها بعضًا.

 

فإذا استنفدت كل وسائل الجمع، ولم يبق سبيل إلى العمل بالنصين معًا، انتقل البحث إلى المرحلة التالية.

 

رابعًا: معرفة المتقدم والمتأخر

إذا ثبتت صحة النصين، وتعذر الجمع بينهما، بقي سؤال لا غنى عنه قبل الحديث عن النسخ:

 

أيُّ النصين جاء أولًا؟ وأيهما جاء بعده؟

 

فهنا يبلغ البحث مرحلته الحاسمة؛ لأن النسخ في حقيقته ليس مجرد وجود نصين مختلفين، وإنما هو انتقال من حكم سابق إلى حكم لاحق.

 

ولا يمكن معرفة هذا الانتقال إلا إذا ثبت تاريخ كل من النصين.

ولهذا اشترط العلماء معرفة المتقدم والمتأخر، حتى لا يُنسب إلى الشريعة ما ليس منها، ولا يُرفع حكم ما زال باقيًا.

 

ولم يكن هذا الشرط أمرًا شكليًا، بل كان من أهم أسباب تضييق باب النسخ؛ إذ كثيرًا ما يجد الباحث نصين يبدو بينهما اختلاف، لكنه لا يملك دليلًا صحيحًا يبين أيهما نزل أولًا وأيهما نزل بعده، فتبقى دعوى النسخ ساقطة؛ لأن الأصل بقاء الحكم حتى يقوم الدليل على زواله.

 

ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم أعرف الناس بهذا الباب؛ لأنهم عاشوا مع رسول الله ﷺ، وشهدوا الوقائع، وعرفوا أسباب النزول، ورأوا الأحكام وهي تتنزل تباعًا.

 

أما من جاء بعدهم، فلم يكن سبيله إلى ذلك إلا النقل الصحيح، والرواية الثابتة، والاستقراء الدقيق للنصوص.

 

ومن هنا كانت دعوى النسخ بغير دليل تاريخي من أضعف الدعاوى عند المحققين.

 

فليس كل متأخر في الترتيب الزمني ناسخًا، ولا كل اختلاف بين نصين دليلًا على رفع أحدهما، وإنما لا بد من معرفة دقيقة لتاريخ التشريع، وسياق النزول، والظروف التي نزل فيها كل حكم.

 

نموذج تطبيقي: تحويل القبلة

ولعل أوضح مثال تتحقق فيه شروط النسخ جميعًا هو تحويل القبلة.

 

فقد كان المسلمون في بداية الإسلام يتوجهون في صلاتهم إلى بيت المقدس، ثم نزل قول الله تعالى:

﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾

[البقرة: 144]

 

فهنا عرف العلماء وقوع النسخ؛ لأن:

• النصوص ثابتة.

• تاريخ الحكمين معلوم.

• لا يمكن الجمع بين استقبال بيت المقدس واستقبال الكعبة في الفريضة الواحدة.

فكان الانتقال من القبلة الأولى إلى القبلة الثانية نسخًا حقيقيًا، لا مجرد تخصيص ولا بيانًا ولا تقييدًا.

 

وهذا المثال يكشف لنا أن النسخ ليس دعوى نظرية يطلقها الباحث عند أول اختلاف، وإنما هو حكم علمي لا يثبت إلا إذا اجتمعت شروطه، وكان الدليل عليه واضحًا لا يحتمل التأويل.

 

خامسًا: أن يكون الناسخ صالحًا لرفع المنسوخ

ولم يكتف العلماء بما سبق، بل نظروا أيضًا في قوة الدليل الذي يقال إنه ناسخ.

فالنسخ لا يكون بالرأي، ولا بالاستحسان، ولا بالعادات، ولا بالأقيسة، وإنما لا يكون إلا بدليل شرعي معتبر.

 

فلا يجوز أن يقال إن رواية ضعيفة نسخت حكمًا ثابتًا، ولا أن يرفع نص قطعي بدليل لا يبلغ درجته في الثبوت.

 

وذلك لأن الناسخ ليس مجرد دليل جديد، بل هو دليل يرفع حكمًا كان ثابتًا، فلا بد أن يكون صالحًا للقيام بهذه المهمة الخطيرة.

ولهذا كان العلماء أشد احتياطًا في هذا الباب؛ حتى يبقى التشريع قائمًا على اليقين، لا على الظنون.

فكلما كان أثر الدليل أعظم، كان الاحتياط في قبوله أعظم.

 

وهذا من أسرار قوة المنهج الأصولي؛ إذ لم يجعل العلماء مجرد احتمال أو اجتهاد ظني قادرًا على إنهاء حكم شرعي ثبت بدليل معتبر.

 

سادسًا: ألا يكون الاختلاف راجعًا إلى اختلاف الأحوال

وهذا شرط دقيق يغفل عنه كثير من الناس.

 

فقد يرد النصان في موضوع واحد، لكن كل واحد منهما يعالج حالًا تختلف عن الأخرى.

فإذا كان الأمر كذلك، لم يكن أحدهما ناسخًا للآخر، وإنما يكون لكل نص مجاله الذي يعمل فيه.

 

فقد تختلف الأحكام باختلاف القدرة والعجز، أو باختلاف السلم والحرب، أو باختلاف حال الفرد وحال الجماعة، أو غير ذلك من الأحوال التي راعتها الشريعة في تنزيل أحكامها.

 

ومن أمثلة ذلك ما ورد في شأن قيام الليل في أول الإسلام؛ فقد كان التكليف في بدايته أشد، ثم جاء التخفيف في قوله تعالى:

﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾

[المزمل: 20]

فهذا يبين كيف راعت الشريعة أحوال المكلفين، وانتقلت بهم من مرحلة إلى أخرى بما يناسب طاقتهم واستعدادهم.

 

وهذا النوع من النظر يكشف أن فهم الأحكام لا يكون بالنظر إلى النص مجردًا عن سياقه، وإنما بالنظر إلى الواقع الذي نزل فيه، وإلى الحكمة التي تعلق بها الحكم.

 

ومن هنا كان العالم المحقق لا يكتفي بقراءة النصوص منفردة، بل يجمع بينها، وينظر في أسبابها، وملابساتها، ومقاصدها، حتى لا ينسب إلى النسخ ما هو في الحقيقة من اختلاف الأحوال أو تنوع التطبيقات.

وهذا يكشف لنا مرة أخرى أن باب النسخ كان عند العلماء أضيق بكثير مما يتصوره بعض الناس.

 

كلمة أخيرة

إذا جمعنا هذه الشروط جميعًا، أدركنا لماذا كان النسخ عند علماء الإسلام من أضيق أبواب الاجتهاد وأشدها احتياطًا.

 

فلم يكن يكفي وجود نصين، ولا مجرد اختلاف في ظاهرهما، ولا حتى نقل قول عن بعض أهل العلم، حتى يحكموا بأن أحد النصين قد نسخ الآخر.

 

بل لا بد من اجتماع ضوابط دقيقة، إذا اختل واحد منها، سقطت دعوى النسخ، وبقي الأصل، وهو استمرار العمل بالنصوص جميعًا.

 

ولهذا لم يكن مقصد العلماء إثبات النسخ، وإنما كان مقصدهم الأول صيانة النصوص من أن يُدَّعى عليها ما ليس فيها.

 

فكانوا يبدأون بالبحث عن وجوه الجمع، ثم ينظرون في اختلاف السياقات والأحوال، ثم يوازنون بين الأدلة، ثم يبحثون في تاريخها، ولا ينتقلون إلى النسخ إلا إذا أوصدت جميع الأبواب الأخرى، وقامت الحجة الواضحة على أن الشارع الحكيم قد أنهى العمل بالحكم الأول، ونقل الأمة إلى حكم آخر.

 

ومن هنا أعاد العلماء المحققون النظر في كثير من الأقوال التي شاعت في بعض كتب المتقدمين، فانتهوا إلى أن عددًا كبيرًا مما عُدَّ منسوخًا ليس من النسخ في شيء، وإنما هو من باب البيان، أو التخصيص، أو التقييد، أو اختلاف الأحوال، أو اختلاف التنوع الذي تتكامل فيه النصوص ولا تتعارض.

وهكذا لم يكن النسخ عند علماء الإسلام بابًا لإسقاط النصوص، بل كان بابًا لحماية النصوص؛ إذ لم يسمحوا أن يخرج حكم من دائرة العمل إلا بعد أن تقوم الحجة على أن الشارع نفسه قد أنهى زمنه.

 

فالنسخ عندهم لم يكن بابًا للجرأة على النصوص، بل كان بابًا لشدة التوقي في التعامل معها؛ فكلما عظم الحكم، عظم الدليل المطلوب لإثباته.

 

ولهذا كان قول العالم:

“هذه الآية منسوخة”

قولًا لا يُقال إلا بعد رحلة طويلة من البحث والتحقيق.

 

وبذلك بقي القرآن محفوظ الأحكام كما هو محفوظ الألفاظ، وبقيت السنة النبوية شارحة له، مبينة لمقاصده، يصدق بعضها بعضًا، وتتآزر جميعًا في بناء تشريعي محكم، لا يعرف الاضطراب، ولا يقوم على التناقض.

 

وكلما ازداد الباحث إلمامًا بهذا المنهج، ازداد يقينًا بأن الشريعة لم تُبنَ على التعجل في إصدار الأحكام، وإنما قامت على التثبت، والتدبر، واستفراغ الوسع في فهم الوحي، حتى لا يُنسب إلى الله ورسوله إلا ما قام عليه الدليل.

 

وهنا تتجلى ميزة كبرى من مزايا التراث الإسلامي؛ فهو تراث لم يقدس الأقوال بقدر ما قدس الدليل، ولم يجعل مراجعة الاجتهادات انتقاصًا من السابقين، بل عدَّها وفاءً للأمانة العلمية، وصيانةً للوحي من أن يُحمَّل ما لم يرده الله تعالى.

 

فى المقال القادم عدد الآيات التى ثبت فيها النسخ .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock