
لم يعد الخلل في رفع الشعارات، بل في الفراغ الذي يختبئ خلفها،
حين يتحول الانتساب إلى السنة من التزامٍ بالفعل إلى مجرد لافتة تُرفع.
نسمع كثيرًا عن الصبر والحكمة، لكننا نرى في الواقع صمتًا ممتدًا وتراجعًا مستمرًا.
ليس كل صمتٍ حكمة، ولا كل تراجعٍ فقهًا،
فحين يغيب قول الحق تمامًا، يصبح الصمت شريكًا في ترسيخ الخطأ.
وقد قيل: أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر،
وهذا ميزان يوضح أن الكلمة الصادقة جزء من الدين لا هامش فيه.
المشكلة ليست في الدعوة إلى تجنب الفتن،
بل في تحويل هذا المبدأ إلى ذريعة دائمة لتعطيل أي موقف أو نصيحة.
حتى صار البعض يختزل الدين في الطاعة المطلقة،
ويُهمّش واجب البيان والنصح وكأنهما أمران ثانويان.
وفي مواجهة الأعداء، تُرفع الشعارات دون إعداد حقيقي،
وتُستبدل المسؤولية بالاكتفاء بالكلام أو التبرير.
فلا عمل جاد، ولا موقف واضح،
فقط حالة من الانتظار والتسليم بالأمر الواقع.
هذا التخاذل لا يأتي فجأة،
بل يتشكل عبر سنوات من التبرير والتعوّد على الصمت،
حتى يصبح الخوف منهجًا، والتراجع قناعة.
والأخطر أن يُلبس هذا كله ثوب الدين،
فيُقدَّم للناس على أنه الحكمة بعينها،
بينما هو في حقيقته تفريط يُفقد الأمة توازنها.
السنة ليست خنوعًا دائمًا،
كما أنها ليست اندفاعًا أعمى،
بل موقف متزن يجمع بين الشجاعة والبصيرة.
لكن حين يغيب هذا التوازن،
يميل الميزان نحو الصمت الكامل،
وتضيع معاني العزة خلف تفسيرات مريحة لكنها قاصرة.
إن السكوت الطويل لا يحل الأزمات،
بل يراكمها حتى تصبح واقعًا يصعب تغييره.
وحينها، لا يعود الناس يميزون بين الحق والباطل،
لأن الصوت الصادق غاب أو أُضعف.
ما تحتاجه الأمة ليس مزيدًا من الشعارات،
بل مواقف صادقة، ونصح واضح، ووعي حقيقي بالواقع.
فبهذا فقط يُستعاد التوازن،
وتعود للسنة روحها التي لا تقبل التخاذل ولا ترضى بالتفريط.
التخاذل المقنّع باسم أهل السنة والجماعة




