صحف وتقارير

رسائل الغموض وفلسفة صفيحة الزبالة في تفكيك المشهد الإقليمي والدولي

كتبت /منى منصور السيد

 

بين ردهات القصور المغلقة في بكين وخطوط النار المشتعلة على حدود مصر الشرقية، يمر العالم بمنعطف تاريخي لا يعترف بالخطب الرنانة ولا بالشعارات الدبلوماسية المصنوعة بعناية، بل تحركه لغة الأرقام المرعبة، والمصالح المتشابكة، وحسابات البقاء. وفي قراءة استراتيجية معمقة ومستفيضة للمشهد الدولي والإقليمي الراهن، ترتكز على تصريحات وتحليلات معالي اللواء سامي دنيا، يتضح للقارئ أن الخرائط السياسية والاقتصادية تُعاد هندستها الآن في الظل، بعيداً عن صخب الكاميرات وأمام أعين قوى دولية باتت تدرك أن زمن القطب الواحد قد تآكل ولم يعد له وجود.

تبدأ حكاية التحول الدولي الكبير من العاصمة الصينية بكين، حيث كشفت كواليس زيارة الرئيس الأمريكي الأخيرة للصين عن تبدل جذري في موازين القوى. فلم تعد العلاقات بين واشنطن وبكين تُدار بمنطق التابع والمتبوع، بل بمنطق الند للند؛ فالصين التي لا ترفع صوتها كثيراً تتحرك برؤية واثقة تعرف أين ستقف بعد عقد من الزمان. ولم تكن الاتفاقيات الاقتصادية والوفود الرفيعة من رجال المال والأعمال المرافقة مجرد بروتوكول، بل كانت رسالة واضحة بأن الاقتصاد هو السلاح الحقيقي القادم، وأن أصحاب الثروات التي تتجاوز ميزانيات دول بأكملها هم من يرسمون حدود النفوذ الجديدة.

ولعل اللقطة التي لخصت المشهد كله بلا رتوش، وتناولها اللواء سامي دنيا بكثير من التحليل الدبلوماسي والنفسي، هي تلك الصورة الرمزية الصادمة عند باب الطائرة الأمريكية؛ حيث تحولت الهدايا التذكارية من هواتف ودبابيس وشارات جمعها وفد واشنطن إلى “قمامة سياسية” ألقى بها ضابط محترف في صفيحة القمامة فور الصعود. هذه الخاتمة التي بدت أصدق من ألف مؤتمر صحفي فجرت الرواية النرجسية البديلة التي حاول ترامب ترويجها بأن الرسائل القاسية لم تكن موجهة إليه شخصياً، لتكشف الحقيقة عارية بلا مساحيق تجميل: الدول العظمى تُقاس بما يحدث بعد انطفاء الأضواء، وتلك العلاقات المبنية على المجاملات الزائفة تنتهي دائماً في سلة المهملات، كدليل على انكسار نفسي واعتراف ضمني بتغير ميزان القوة والاضطرار للين والهدوء أمام اليد العليا لبكين.

هذا التحول الدولي ينعكس مباشرة على المطابخ السرية لإدارة الأزمات في الشرق الأوسط، وتحديداً في الملف الإيراني؛ فالأزمة الاقتصادية العالمية وضغوط السياسة النقدية الأمريكية خنقت الجميع، وتحول مضيق هرمز إلى معركة بقاء اقتصادي دولي تهم الصين قبل غيرها. ومن هنا تنشط قنوات التفاوض السرية في الظل لترتيب تسويات تشمل تجميد البرنامج النووي الإيراني ونقل اليورانيوم المخصب، بينما يعكس الصمت الإعلامي المفاجئ حول ملف الصواريخ والمسيرات أن أخطر الرسائل في السياسة هي تلك التي لا تُقال. حتى صمت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وعدم اعتراضه المباشر على الطرح الصيني يحمل دلالات معقدة؛ فالرجل الذي يقاتل لإنقاذ نفسه لا وطنه يواجه استنزافاً حاداً ونقصاً في قوات احتياط جيشه، مما يجعله يتحرك بمنطق “الحرب أو النهاية” السياسية، ويستمر في قصف لبنان رغم التهدئة لتحقيق أي مكاسب قبل التسوية الحتمية.

وفي خضم هذا المشهد المضطرب وحقل البارود الإقليمي، يبرز الدور المصري الرائد كصمام أمان حقيقي للأمن القومي. لقد خاضت الدبلوماسية المصرية معركة حكيمة نجحت من خلالها في منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة وحرب إقليمية كبرى، مستندة إلى رؤية استراتيجية واضحة تفكك الطرح السطحي للأصوات المنادية بالانعزال تحت شعار “ما لنا ومال الآخرين”. إن غزة وحدود مصر الشرقية ليست ملفاً بعيداً، بل هي جرح مفتوح يمس الأمن القومي مباشرة، وأي اشتعال واسع هناك يعني استنزافاً أمنياً واقتصادياً لسنوات يحرق أعمار الشعوب ومستقبلها، وهو ما جعل الإدارة المصرية تثبت أن أعظم الانتصارات هي الحروب التي تنجح العقول في منعها قبل أن تبدأ، مراهنة دائماً على الدبلوماسية لتنجو من جنون الآخرين وتصعيدهم غير المحسوب.

وفي نهاية المطاف، ووسط كل هذا الضجيج السياسي والصراع على هندسة العالم الجديد، تأتي اللفتة الإنسانية والاجتماعية الأهم في قراءة اللواء سامي دنيا لتضع النقاط على الحروف وتثلج الصدور؛ إذ تؤكد كافة المؤشرات الاستراتيجية والأمنية استقرار الأوضاع لجميع أبناء الجاليات المصرية والعرب في منطقة الخليج العربي. فالوضع آمن تماماً من الزوايا الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، والتوترات المحتملة تظل بعيدة كلياً عن مناطق تواجدهم. لتبقى طمأنة الشعوب والناس البساط هي الغاية الأسمى، والخبر الأجمل الذي يتوج تفاصيل هذا المشهد المعقد، داعين الله أن يحفظ الأوطان ويديم عليها نعمة العقل والسلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock