صحف وتقارير

عبقرية الخداع في الأمس وتكتيكات حافة الهاوية في اليوم

كتبت /منى منصور السيد

 

تبرز عقيدة استراتيجية تحرك خيوط الصراعات الدولية وتصيغ مساراتها؛ ويأتي هذا المقال ليقدم تحليلاً دقيقاً ورؤية فاحصة لما طرحه معالي اللواء أركان حرب سمير فرج في مقاله الأخير، والذي فكك فيه أبعاد نظرية “الطبق الساخن” (Hot Plate)، المصطلح الذي صكه مهندس السياسة الخارجية الأمريكية الأسبق هنري كيسنجر في أوائل عام 1973، ليتحول من مجرد تشبيه مجازي على طاولة عشاء إلى فلسفة لإدارة الأزمات الدولية وتفجير الجمود السياسي.

لقد قامت هذه النظرية في جوهرها على فكرة أن الأزمات السياسية والعسكرية المجمّدة التي تدخل في طور “اللا حرب واللا سلم” لا يمكن زحزحتها أو إيجاد حلول لها طالما بقيت الأجواء باردة، بل يتطلب الأمر “تسخيناً” عسكرياً ميدانياً محسوباً يجبر الأطراف الدولية والإقليمية على التحرك رغماً عنها، وهو التكتيك الذي وظّفته العبقرية المصرية قديماً في التخطيط لحرب أكتوبر 1973، وتُعاد صياغته اليوم في تفاصيل المشهد الملتهب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران.

إن القراءة الفاحصة للتاريخ تكشف كيف تحول “الطبق الساخن” إلى فخ للخداع الاستراتيجي سقط فيه واضع المصطلح نفسه؛ ففي عام 1973، حين كان المشهد على جبهة قناة السويس متجمداً لست سنوات متتالية، أرادت القيادة المصرية إقناع واشنطن وتل أبيب بأن مصر لن تحارب، فجاء اللقاء السري الشهير في نيويورك بين مستشار الأمن القومي المصري وهنري كيسنجر، ليقترح الأخير ببراغماتيته المعهودة ضرورة “تسخين الجبهة” لتتحرك الدبلوماسية الدولية، معتبراً أن الطعام البارد لا يؤكل، وكذلك الأزمات الباردة لا تُحل.

هنا تجلت عبقرية الخداع الاستراتيجي، إذ التقطت القاهرة الإشارة وحولتها إلى مناورة مضللة، فأوهمت كيسنجر في لقاءات لاحقة بباريس بالعجز الكامل عن تنفيذ هذا التسخين بسبب رفض السوفييت تزويد مصر بالسلاح الهجومي وطرد الخبراء الروس، مما دفع كيسنجر لطمأنة رئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير بأن السادات لن يهاجم، لتأتي المفاجأة الصادمة والمدوية في السادس من أكتوبر التي هزت أركان القيادة السياسية والعسكرية في تل أبيب.

واليوم، نجد أن هذا الإرث الاستراتيجي يُعاد استنساخه وتطبيقه بحذافيره في الصراع الراهن بين أمريكا وإيران، حيث تحولت نظرية “الطبق الساخن” إلى لغة حوار بالنار عبر ثلاثة اشتباكات متتالية وقعت في غضون ثلاثة أيام فقط؛ بدأت الشرارة الأولى بضربة إيرانية مفاجئة استهدفت ميناء الفجيرة الإماراتي ــ وهو شريان حيوي يصدر نحو 1.2 مليون برميل نفط يومياً خارج مضيق هرمز ــ في خطوة تعمدت فيها طهران خرق الهدنة القائمة لتوجيه رسالة سياسية ساخنة ومباشرة لخصومها.

ولم يتأخر الرد الأمريكي، إذ سارعت واشنطن في اليوم التالي بقصف الموانئ الإيرانية تحت ذريعة الحفاظ على سريان الهدنة، وهو تطبيق أمريكي عكسي لذات النظرية يهدف إلى منع إيران من استغلال عامل الوقت أو الركون إلى حالة الجمود لفرض شروطها أو إطالة أمد الأزمة دون تقديم تنازلات حقيقية.

ولم تقف وتيرة التصعيد عند هذا حد، بل توالت الأحداث بدخول إيران في مواجهة مباشرة ومتحرشة بالمدمرات الأمريكية التي حاولت العبور من مضيق هرمز، ورغم أنه كان بمقدور طهران غض الطرف وتمرير العبور بسلام، إلا أنها اختارت تفعيل “الطبق الساخن” مجدداً لتبعث برسالة حاسمة إلى الإدارة الأمريكية مفادها أن طهران لن تتوقف عن القتال ولن تقبل بفرض الأمر الواقع.

إن هذا التتابع السريع للاعتداءات والردود المضادة يؤكد أن “الطبق الساخن” ليس مجرد حدث تاريخي وُلد وانتهى في أروقة السبعينيات، بل هو عقيدة حاكمة ومستمرة لإدارة الصراعات؛ فالأطراف المتنازعة اليوم في الشرق الأوسط لا تسعى إلى حرب شاملة ومفتوحة، وإنما تلجأ إلى التصعيد العسكري المحسوب والنقاط الميدانية الساخنة كأداة وحيدة وأخيرة لتحريك المياه الراكدة وفرض الشروط والمكاسب على طاولة المفاوضات السياسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock