
أكدت الدكتورة غادة عبد الرحيم علي، أستاذ علم النفس التربوي المساعد بكلية التربية النوعية جامعة القاهرة، ومستشار الدعم النفسي بمركز الدعم النفسي وتنمية الذات، أن التكيف النفسي الأسري ليس امتيازاً تحظى به أسر دون أخرى، بل هو مهارة حقيقية قابلة للتعلم والتطوير يمكن لأي أسرة أن تكتسبها متى توافرت الإرادة والأدوات المناسبة.
جاء ذلك خلال مشاركتها في الملتقى العلمي الذي أقامه مجلس الأسرة العربية للتنمية، حيث قدّمت ورقتها العلمية المتخصصة تحت عنوان “استراتيجيات التكيف النفسي للأسرة”، وكشفت خلالها عن أرقام صادمة تعكس حجم الأزمة التي تعيشها الأسر العربية اليوم؛ إذ أشارت إلى أن أربعين بالمئة من الأسر العربية تعاني ضغوطاً نفسية حادة تهدد تماسكها، وأن خمسة وستين بالمئة من حالات الطلاق مرتبطة أساساً بفشل الزوجين في التكيف مع ضغوط الحياة المشتركة، فيما يكون أبناء الأسر غير المتكيفة أكثر عرضة للاضطرابات النفسية بثلاثة أضعاف مقارنةً بأقرانهم.
وأوضحت الدكتورة غادة أن الضغوط الاقتصادية تتصدر أسباب انهيار التكيف الأسري بنسبة ثمانية وسبعين بالمئة، يليها ضعف التواصل بين الزوجين، ثم غياب الدعم الاجتماعي، فالأمراض النفسية غير المُعالَجة التي يتجاهلها كثيرون حتى تتفاقم وتُلقي بظلالها على المنظومة الأسرية بأكملها.
وقدّمت الدكتورة غادة في مداخلتها منظومةً متكاملة من الاستراتيجيات العلمية المجربة موزعةً على ثلاثة محاور؛ فعلى الصعيد الانفعالي دعت إلى خلق مساحات آمنة للتعبير عن المشاعر داخل الأسرة بعيداً عن الحكم والإدانة، وإلى تعلّم إعادة تفسير الأزمات بمنظور أكثر إيجابية وواقعية، مؤكدةً أن المشاعر المُسمَّاة تفقد شيئاً من سطوتها وقدرتها على الإضرار.
وعلى الصعيد المعرفي أكدت أن الفارق الحقيقي بين الأسر المتكيفة وغيرها لا يكمن في طبيعة الأزمات التي تمر بها، بل في طريقة تفسيرها لهذه الأزمات وأسلوب إدارتها للخلافات وتوزيعها للأدوار.
أما على الصعيد السلوكي فشددت على أن الروتين الصحي اليومي من نوم كافٍ ونشاط بدني وتواصل أسري منتظم ليس ترفاً بل وقود أساسي للصمود النفسي.
وفي ختام مداخلتها أطلقت الدكتورة غادة جملةً من التوصيات العلمية الموجهة إلى مختلف المستويات المعنية بالشأن الأسري، إذ وجّهت للأسرة مباشرةً توصيةً بتبنّي جلسات الحوار الأسري الأسبوعي بوصفها أداةً فعّالة لتعزيز الترابط وحل الخلافات قبل تفاقمها، والحرص على تعلّم مهارات التنظيم الانفعالي وتعليمها للأبناء منذ سنوات الطفولة المبكرة حتى تترسخ في وجدانهم قبل أن تواجههم الحياة بتحدياتها، واللجوء إلى الإرشاد النفسي المتخصص فور الإحساس بعجز الأسرة عن التعامل مع ضغوطها دون انتظار حتى تصل الأمور إلى نقطة الانهيار.
وعلى مستوى المؤسسات التعليمية والاجتماعية طالبت الدكتورة غادة بإدراج برامج التكيف الأسري ضمن مناهج التربية الأسرية في المدارس والجامعات لأن الوقاية أجدى وأرسخ من العلاج، وبتوسيع نطاق مراكز الإرشاد الأسري وتقريبها جغرافياً من المجتمعات المحلية لتكون في متناول كل أسرة تحتاج إليها، وبإطلاق حملات توعية مجتمعية واسعة تعمل على كسر الوصمة الاجتماعية المرتبطة بطلب المساعدة النفسية في السياق الأسري.
وعلى صعيد البحث العلمي أوصت بضرورة إجراء دراسات طولية ممتدة تتابع أثر التدخلات الأسرية على الصحة النفسية على المدى البعيد لا على المدى القصير فحسب، وببناء مقاييس عربية معيارية موحّدة لقياس مستوى التكيف النفسي الأسري تراعي الخصوصية الثقافية للمجتمعات العربية، وبتطوير بروتوكولات تدخل مبكر مُصمَّمة خصيصاً للسياقات الثقافية العربية بدلاً من الاكتفاء بترجمة النماذج الغربية وتطبيقها بصورة حرفية.
أما على مستوى السياسات الوطنية فقد دعت الدكتورة غادة إلى إطلاق برامج وطنية متكاملة للدعم النفسي الأسري في أوقات الأزمات والكوارث تكون جاهزة قبل وقوع الأزمة لا بعدها، وإلى تخصيص ميزانيات كافية للصحة النفسية الأسرية ضمن منظومة الرعاية الاجتماعية باعتبارها استثماراً وطنياً لا نفقةً ترفيهية، وإلى إنشاء شراكات فاعلة بين المؤسسات الحكومية والمنظمات المجتمعية لدعم الأسر التي تقع في دائرة الخطر قبل أن يتحول خطرها إلى كارثة.
وختمت الدكتورة غادة مشاركتها بعبارة جمعت بين العلم والوجدان، قالت فيها إن الأسرة التي تجمع بين الوعي الانفعالي والمرونة المعرفية والسلوك الوظيفي السليم تمتلك درعاً واقية حقيقية في مواجهة أشد أعاصير الحياة، وإن الاستثمار في الصحة النفسية الأسرية هو أعمق الاستثمارات أثراً وأبعدها مدىً، لأنه في نهاية المطاف استثمار في الإنسان، وفي المجتمع، وفي المستقبل.



