مقالات وآراء

فتنة من جديد .. نتنياهو يراهن على شرخ لبناني لم يُجبر

بقلم -عمرو بسيوني

في حلقة جديدة من استغلال “الفتنة” كسلاح استراتيجي، خرج رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطاب متلفز موجه إلى “الشعب اللبناني”، يدعوه فيه إلى “الانضمام إلى إسرائيل” لمحاربة “عدوهما المشترك” المتمثل بحزب الله.

 

هذا الخطاب، الذي حمل نبرة “الصديق الناصح”، يحمل في طياته محاولة ماهرة لاستنساخ تجربة سابقة أثبت التاريخ فشلها الذريع: استغلال النسيج الطائفي الهش في لبنان لشق الصف الداخلي وإضعاف الدولة الوطنية.

 

“لست عدواً لكم”.. قراءة في خطاب التفكيك

 

جاءت تصريحات نتنياهو، التي رافقها ترجمة بالعربية، لتؤكد على فكرة أن “إسرائيل ليست في حرب معكم، بل مع حزب الله الذي اختطف بلدكم”. وقدم رئيس الوزراء الإسرائيلي نفسه كمحرر مفترض للبنانيين من “الكابوس الإيراني”، واعداً إياهم بـ “السلام والازدهار” بمجرد الإطاحة بالحزب.

 

هذه الرسالة تحمل في جوهرها إعلاناً بليغاً عن “الرهان على الداخل اللبناني”، ومحاولة لخلق حالة من “الالتفاف الشعبي” على السلاح الذي تدعمه إيران، دون تقديم أي حلول للجراح التي تسبب بها الاحتلال الإسرائيلي على مدى عقود.

 

التاريخ يعيد نفسه.. دروس لم تُنسَ

 

لبنان ليس غريباً على هذا النوع من “الدعوات” الإسرائيلية. فالتاريخ حافل بمحاولات إسرائيل توظيف الفتنة الطائفية والسياسية لتحقيق أهدافها:

 

1. تجربة “جيش لبنان الجنوبي” (1978-2000):

أثناء احتلالها للجنوب، رعت إسرائيل ميليشيا “جيش لبنان الجنوبي” بقيادة اللبنانيين أنفسهم. انتهت هذه التجربة بانسحاب إسرائيلي مذل ومفاجئ عام 2000، تاركة آلاف المتعاونين معها لمصير مجهول، مما شكل جرحاً غائراً في الذاكرة اللبنانية حول “موثوقية” الاحتلال كحليف.

 

2. استغلال الوجود الفلسطيني (السبعينات):

في سبعينات القرن الماضي، استغلت إسرائيل الوجود المسلح لمنظمة التحرير الفلسطينية لتبرير غزو واسع عام 1982 تحت ذريعة “تحرير” لبنان، وهو ما أدى إلى اجتياح وصل إلى بيروت ودمار هائل، ثم مجزرة صبرا وشاتيلا، وولادة “حزب الله” نفسه كقوة مقاومة للاحتلال.

 

3. حرب تموز 2006:

تخلل التصعيد العسكري محاولات للتفريق بين الحزب والشعب عبر قصف البنى التحتية بهدف “إحداث فورة شعبية” على المقاومة، وهو ما لم يتحقق.

 

لماذا الآن؟

 

الرهان الإسرائيلي على “الفتنة” يأتي في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للبنان، الذي يعاني من انهيار اقتصادي تاريخي وفراغ سياسي. خلف الدعوة الظاهرية، تحاول إسرائيل:

 

· خلق غطاء شعبي للعدوان: تقديم أي حرب واسعة على أنها “استجابة لرغبة اللبنانيين”.

· تعزيز الانقسام حول سلاح المقاومة: توسيع الهوة بين المكونات اللبنانية تجاه سلاح حزب الله.

· الضغط على الجيش اللبناني: محاولة الالتفاف على مؤسسة الجيش والدولة.

 

خلاصة: الفتنة سلاح ذو حدين

 

في الوقت الذي يظن فيه نتنياهو أنه يرمم شرخاً في جدار المقاومة، فإنه يثبت للبنانيين جميعاً، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية، أن الخطر الإسرائيلي لا يزال قائماً ومتربصاً بوحدة الساحة اللبنانية.

 

إن استذكار اللبنانيين لتجربة “جيش لبنان الجنوبي” وغزو 1982 وحصار بيروت يجعل هذه الدعوات أشبه بكابوس يعيد إنتاج نفسه. الفتنة سلاح إسرائيلي قديم، لكن ذاكرة اللبنانيين لا تزال حية لتذكيرهم بأن الاحتلال لا يُبادَل باحتلال آخ

ر، وأن الوطن لا يُبنى على حساب شريكه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock