
تتلاقى الرؤى الفنية وتتشابك التجربة الإنسانية لتشكل فضاءً تأملياً يفيض بالعمق، وهو ما يتجسد جلياً في معرض «مسارات داخلية» للفنانة الدكتورة مرفت محمد كامل الغمري، الأستاذ المساعد بقسم الأشغال الفنية والتراث الشعبي بكلية التربية الفنية بجامعة العاصمة. يأتي هذا المعرض ليقدم رؤية تشكيلية معاصرة تستكشف تحولات الوعي والإدراك الإنساني منذ انتقال الفكرة الفلسفية إلى الفعل الفني الملموس، مترجماً إياها إلى لغة بصرية بليغة تعبّر عن العمل الفني بوصفه مساراً إدراكياً حياً يتشكل عبر التفاعل المستمر بين القصد والشعور والتجربة الذاتية الخالصة.
وقد احتضنت قاعة (نهضة مصر) بمركز محمود مختار الثقافي التابع لوزارة الثقافة هذا الحدث الإبداعي البارز، ليكون الشاهد الأنسب على بزوغ هذه الرؤية الفنية المعاصرة وسط أجواء ثقافية رفيعة المستوى تحت رعاية الأستاذة الدكتورة جيهان زكي وزير الثقافة، وبافتتاح الأستاذ الدكتور محمود حامد رئيس قطاع الفنون التشكيلية. وشهد حفل الافتتاح إقبالاً لافتاً ونوعياً من النخبة الأكاديمية، والفنانين التشكيليين، والمهتمين بالحركة الفنية، والذين تقدمتهم الأستاذة شيماء أبو زيد مدير المركز. وقد شارك الحضور الفنانة جولتها التوضيحية بين أرجاء القاعة، مستمعين بشغف إلى شرحها التفصيلي حول فلسفة كل عمل والتقنيات التشكيلية المعقدة المستخدمة في صياغته.
وعكس انطباع الجمهور والزوار حالة من الانبهار البصري والفكري؛ حيث أبدى الحاضرون تقديراً بالغاً لقدرة الفنانة الفائقة على صياغة الرمز البصري وتوظيف الخامات المتنوعة بأسلوب مبتكر يحقق توازناً فريداً بين الأصالة والمعاصرة. وتنوعت آراء النخبة والجمهور حول المعرض، إذ أشاد الأكاديميون والمتخصصون بالعمق الفلسفي للأعمال التي تلمس إشكاليات وجودية كبرى وتتتبع بدقة تحولات الوعي البشري، بينما عبّر الزوار من محبي الفنون عن إعجابهم الشديد بالطاقة الروحية والجمالية الكامنة في اللوحات البارزة ذات الملامح التراثية والإنسانية، والتي دفعتهم إلى إطالة التأمل أمام كل قطعة ومناقشة تفاصيل الدلالات التشكيلية ورمزية “المسارات” الممتدة التي طرحتها الفنانة في مجموعتها الجديدة.
تنبثق الفلسفة الإبداعية للفنانة من إيمان عميق بأن الفن ليس مجرد محاكاة بصرية عابرة للواقع، بل هو أداة غائرة لسبر أغوار النفس البشرية وتحولاتها الوعية؛ فالكائن الإنساني في نظرها يعيش في حالة ارتحال دائم وهجرة داخلية مستمرة داخل ذاته. ومن هنا، تنطلق أعمال المعرض من رمزية “المسار” بوصفه رحلة داخلية تتشكل عبر التفاعل الحي بين الإدراك الواعي والتجربة الذاتية المتفردة، حيث تسهم الدوافع الروحية والتطلعات النفسية في تشكيل السلوك وتوجيه الاختيارات الفنية والجمالية، تجسيداً لإدراك الفرد لذاته وخبراته الإنسانية المتراكمة عبر الزمن. وفي هذا السياق الفلسفي، يستحضر المعرض “الأمل” لا كشعور عاطفي مؤقت، بل كقوة وجودية دافعة تعزز الإمكانات الإيجابية وتدعم الحضور الوجودي للفرد، في ارتباط رمزي وثيق بدوره بالقدر والحركة الدائرية للزمان والمكان، وما تعكسه تلك الحركة من تجدد مستمر للوعي والخبرات البشرية.
ومن هذا المنطلق الفكري الخصب، تسعى أعمال المعرض إلى تجسيد رمزية المسارات الداخلية للروح الإنسانية وعلاقتها العضوية بالعالم المحيط، مستلهمة مفاهيم الطاقة الروحية والكونية، وما تطرحه من إشكاليات إنسانية ووجودية أزلية، مثل ثنائية الخير والشر، والممكن والمستحيل، والتسامي والإشراق، وصعود الروح ورحيلها المتكرر نحو آفاق النور. وتتبلور هذه الرؤية الفلسفية من خلال استحداث صياغات تشكيلية مبتكرة تعتمد على تنوع الخامات والتقنيات وأساليب الأداء في مجال الأشغال الفنية؛ إذ تلتقي المادة بالفكرة لتعيد صياغة الرمز وتفعيله، ليصبح تعبيراً بصرياً قادراً على تجاوز حدود الزمان والمكان، وإعادة قراءة التراث الشعبي بروح حداثية واعية تتسم بالرصانة والعمق.
إن هذا الطرح الفني المتميز يتيح للمتلقي فضاءً تأملياً مغايراً، يدعوه من خلاله لتفكيك مستويات متعددة من الدلالات والرؤى، واستكشاف أبعاد التجربة الإنسانية عبر خطاب تشكيلي تتضافر فيه البنية الرمزية مع الخبرة الأكاديمية والعملية الفائقة، ليحقّق معادلة بصرية تجمع بين الأصالة والمعاصرة. ويمثل هذا المعرض امتداداً طبيعياً وثمرة ناضجة لرحلة أكاديمية وفنية حافلة للفنانة منذ نيلها درجة دكتوراه الفلسفة في التربية الفنية تخصص أشغال فنية من جامعة العاصمة عام 2007، أثرت خلالها الساحة التشكيلية بمعارض خاصة نوعية تركت بصمة واضحة في الحركة الفنية، مثل «بين الخيال والواقع» عام 2009، «تراكيب أسطورية» عام 2012، «جماليات الشكل» عام 2015، «جماليات الرمز» عام 2016، و«روح» عام 2022، وصولاً إلى معرضها البارز «إيزيس» عام 2024، لتقدم في «مسارات داخلية» خلاصة فلسفتها الإبداعية وتأملاتها الروحية والتقنية الصافية.



